أسباب للبقاء حيًا.. حين يصبح الأمان معنى للحياة
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
بقلم: إيناس صبري
أتأمل كثيرًا في نفسي وفيمن حولي، ويعود إليّ السؤال نفسه بصور مختلفة: كيف ينجو الإنسان من قسوة الحياة، من دون أن يفقد الجزء الحي داخله؟
حين نكون أطفالًا، وربما حتى في بدايات الشباب، نتصور أن تجربتنا ستكون مختلفة. لا أقول أكثر نجاحًا أو أكثر سعادة، يكفينا فقط أن تكون أحن. أن تمر بنا الحياة بأقل قدر من القسوة، وأن تترك لنا مساحة نحلم فيها من دون خوف.
لكننا نكبر، ومع العمر لا تتغير الحياة وحدها، بل تتغير نظرتنا إليها.
نفهم أن كل جديد يحمل احتمالًا لا نعرفه، وأن بعض التجارب تأتي ومعها خسائر لا نستطيع دائمًا تحمّلها. يقل اندفاعنا، ونصبح أكثر حرصًا على الأشياء العادية التي كنا نمر عليها يومًا من دون انتباه.
يوم هادئ. بيت مستقر. شخص نحبه بخير. مكالمة لا تحمل خبرًا سيئًا. نوم بلا قلق.
وفجأة يصبح "العادي" إنجازًا.
وقد يبدو هذا للبعض تراجعًا عن الشغف، لكنه أحيانًا نوع آخر من الوعي. ليس كل هدوء استسلامًا، وليس كل صمت هزيمة. هناك صمت يأتي بعد أن يتعلم الإنسان أن راحته ليست شيئًا بسيطًا، وأنه ليس مطالبًا بأن يخوض كل معركة تعرض عليه.
وهنا أصل إلى السؤال الأصعب: ما أقوى أسباب الإنسان للبقاء حيًا، بروحه لا بجسده فقط؟
أظن أننا نحتاج إلى معنى.
أن نشعر بأن وجودنا ما زال له دور، مهما تقدم بنا العمر. قد يكون هذا الدور في طفل يحتاج إلينا، أو إنسان نستطيع أن نسانده، أو عمل نحبه، أو معرفة ننقلها، أو حتى في قدرتنا على أن نجعل حياة شخص آخر أقل قسوة.
فالإنسان لا يعيش فقط بما يملكه، وإنما بما يشعر أنه يعنيه.
ومع كل ما تعلمته من النفس البشرية، أجدني أعود إلى احتياج واحد أراه أساسًا لكثير من احتياجاتنا الأخرى: الأمان.
تخيلوا طفلًا ينمو من دونه. كيف يتعلم الثقة؟ كيف يحب من دون خوف؟ كيف يغامر بالحلم إذا كان طوال الوقت منشغلًا بالنجاة؟
وتخيلوا بالغًا يعيش بلا أمان. هل يستطيع الاستمتاع بما يملك؟ هل يطمئن إلى علاقاته؟ هل يبدع ويخطط للمستقبل وهو ينتظر دائمًا الضربة التالية؟
لهذا أعتقد أن أعظم ما يمكن أن يقدمه أب أو أم لطفلهما ليس الأشياء، ولا المبالغة في الحماية، وإنما ذلك الشعور العميق: أنا آمن هنا. أنا محبوب. إذا أخطأت لن أفقد مكاني. وإذا ضعفت لن أُترك وحدي.
وإذا غاب هذا الشعور طويلًا، يكبر الإنسان وقد أصبح جزء كبير من طاقته مخصصًا للدفاع عن نفسه بدلًا من الحياة.
وربما لهذا أيضًا يبدو عالمنا، رغم كل ما وصل إليه من تقدم وتكنولوجيا، أكثر اضطرابًا مما نتوقع. لأن التقدم وحده لا يصنع إنسانًا مطمئنًا. وحين تغيب العدالة، يهتز الأمان، وحين يهتز الأمان يصبح الخوف قادرًا على إنتاج الكثير من الغضب والعنف والقسوة.
في النهاية، لا أجد أمنية أعظم من الطمأنينة.
أن نصل إلى مرحلة لا نحتاج فيها إلى إثبات أنفسنا طوال الوقت، ولا نخشى فقد كل ما نحب، ولا نحيا في حالة تأهب دائم.
أن نشعر فقط بأن لنا مكانًا في هذا العالم، وأن وجودنا لا يزال يحمل معنى.
ربما تكون هذه، في حد ذاتها، واحدة من أجمل أسباب البقاء حيًا.
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly5385 المقالات
منشورات شائعة
-
قتيل و11 مصابًا في استهدا...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 11, 2026
-
12 قتيلًا و309 مصابين.. ت...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 11, 2026
-
كارني يدعم وقف استهداف من...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 11, 2026
-
غداة هجوم مطار الرياض.. ض...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 11, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!