لماذا نعود إلى من يوجعنا؟
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
أحيانًا لا تكون المشكلة في أننا لا نفهم ما يحدث لنا، بل في أننا نفهمه جيدًا، ومع ذلك نعود إليه.
نعرف أن هذه العلاقة تستنزفنا، ونعرف أن هذا الشخص لا يسمعنا كما نحتاج، ونعرف أن الاعتذار تكرر أكثر من مرة، وأن الوعود صارت تشبه بعضها. ومع ذلك، نبقى. نغضب، ثم نهدأ. نقرر الرحيل، ثم نشتاق. نعد أنفسنا ألا نعود، ثم نجد القلب يفتح الباب من جديد.
وهنا يبدأ السؤال المؤلم: لماذا نتمسك أحيانًا بمن يوجعنا؟
الحقيقة أن الإنسان لا يختار علاقاته بعقله الواعي فقط. هناك جزء أعمق في داخلنا، جزء تشكل منذ الطفولة، من طريقة الحب التي رأيناها، ومن شكل الأمان الذي عرفناه، ومن الكلمات التي سمعناها، ومن الاحتياجات التي لم تُلبَّ في وقتها. هذا الجزء لا يبحث دائمًا عن العلاقة الصحية، بل قد يبحث عن العلاقة المألوفة.
والمألوف ليس دائمًا مريحًا. أحيانًا يكون المألوف هو القلق. هو الانتظار. هو محاولة إثبات الذات. هو بذل مجهود كبير كي يحبنا أحد. لذلك قد يجد الإنسان نفسه منجذبًا إلى علاقة تعيد له نفس الإحساس القديم، ليس لأنها الأفضل له، بل لأنها تشبه شيئًا يعرفه في أعماقه.
هناك من تربى على أن الحب لا يأتي إلا بعد تعب، فيكبر وهو يظن أن العلاقة التي لا يتعب فيها ليست حبًا حقيقيًا. وهناك من لم يشعر يومًا أنه أولوية، فينجذب إلى شخص يجعله يطارد الاهتمام. وهناك من اعتاد أن يرضي الآخرين حتى لا يخسرهم، فيدخل علاقة ينسى فيها نفسه تمامًا.
المؤلم أن الإنسان قد يسمي هذا تعلقًا أو حبًا، بينما هو في الحقيقة محاولة قديمة لإصلاح جرح قديم من خلال شخص جديد.
في العلاقات، لا نكرر الأشخاص فقط، بل نكرر الإحساس. نكرر الدور الذي عرفناه. واحدة تجد نفسها دائمًا في دور المنقذة. وآخر يجد نفسه دائمًا في دور من يطلب الحب ولا يحصل عليه. وثالث يختار شريكًا باردًا لأنه اعتاد أن يثبت قيمته أمام من لا يعطيه بسهولة.
وهنا لا يجب أن نلوم القلب بقسوة. القلب لا يعود لأنه غبي، ولا لأن صاحبه ضعيف. القلب يعود أحيانًا لأنه لم يتعلم بعد الفرق بين الحب والاحتياج، بين الأمان والتعود، بين الشوق الحقيقي وبين ألم الانسحاب من علاقة مؤذية.
في العلاج النفسي، وخاصة في العمل العميق مع العقل الباطن، نرى كثيرًا أن بعض القرارات العاطفية لا تصدر من لحظة الحاضر وحدها. أحيانًا يكون الحاضر مجرد مسرح، أما النص الحقيقي فمكتوب منذ سنوات. شخص بالغ يقف أمام شريك اليوم، لكن داخله طفل قديم ما زال ينتظر اعترافًا، احتواء، اعتذارًا، أو اختيارًا لم يحصل عليه.
لذلك لا يكفي أن نقول لشخص: "اترك العلاقة وانتهى الأمر". القرار ليس دائمًا بهذه السهولة. هناك روابط نفسية خفية، وذكريات شعورية، وخوف من الوحدة، وشعور بالذنب، وأمل صغير يقول: ربما يتغير. وربما يحبني هذه المرة بالطريقة التي أحتاجها.
لكن الوعي هو بداية التحرر.
أن تسأل نفسك بصدق: هل أنا أحب هذا الشخص، أم أحب الصورة التي أتمنى أن يصبح عليها؟ هل أنا متمسك بالعلاقة، أم متمسك بفكرة أنني إذا صبرت أكثر سأثبت أنني أستحق الحب؟ هل هذه العلاقة تجعلني أهدأ، أم تجعلني دائمًا في حالة انتظار وقلق وتفسير ودفاع عن نفسي؟
العلاقة الصحية لا تجعلك تتوسل الطمأنينة. لا تجعلك تخاف من التعبير عن احتياجك. لا تجعلك تشعر أنك كثير، أو حساس أكثر من اللازم، أو صعب الإرضاء. العلاقة الصحية لا تلغي الخلاف، لكنها لا تحول الخلاف إلى كسر دائم في الروح.
ومن المهم أن نفهم أن الخروج من النمط لا يعني كراهية الطرف الآخر. أحيانًا نحتاج فقط أن نعترف أن ما يجمعنا بشخص ما ليس حبًا ناضجًا، بل جرحًا يبحث عن نهاية مختلفة. وقد تكون أكثر لحظة شجاعة في حياة الإنسان هي اللحظة التي يقول فيها: أنا لا أريد أن أكرر ألمي باسم الحب.
ابدأ من نفسك. راقب ما يتكرر. من الأشخاص الذين تنجذب إليهم؟ ما الشعور الذي يعود مع كل علاقة؟ هل تختار من يراك، أم من يجعلك تحاول طوال الوقت أن تُرى؟ هل ترتاح في القرب، أم ترتبك عندما يعاملك أحد بلطف لأن اللطف غير مألوف لديك؟
هذه الأسئلة ليست للاتهام، بل للشفاء.
كل إنسان يستحق علاقة لا تجعله يخون نفسه حتى لا يخسر الآخر. يستحق حبًا لا يوقظه كل يوم على سؤال: ماذا فعلت خطأ؟ يستحق قربًا يشعر فيه أنه مقبول، لا مجرد شخص يختبر صبره كي يُسمح له بالبقاء.
نحن لا نتحرر من العلاقات المؤذية دفعة واحدة. نتحرر عندما نفهم لماذا دخلناها، ولماذا بقينا فيها، وما الجزء في داخلنا الذي كان يطلب النجاة من خلالها.
وحين يبدأ الإنسان في شفاء هذا الجزء، يتغير اختياره. لا يعود ينجذب فقط إلى من يشعل داخله العاصفة، بل يبدأ في تقدير من يمنحه السلام.
والسلام، في العلاقات، ليس مللًا.
السلام هو أن تكون مع شخص لا تحتاج أن تفقد نفسك كي يحتفظ بك.
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly5020 المقالات
منشورات شائعة
-
في عام الثقافة قطر–كندا 2...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 19, 2026
-
سحب جبن Yotvata من أسواق...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 20, 2026
-
أونتاريو تحدد وظائف مطلوب...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 19, 2026
-
كندا تضخ 67 مليون دولار ف...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 20, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!