الوضع المظلم
من الهجرة إلى التأثير: وجوه عربية تركت بصمتها في كندا

من الهجرة إلى التأثير: وجوه عربية تركت بصمتها في كندا

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

لم تعد الهجرة العربية إلى كندا تُختزل في قصص الوصول والاندماج فقط، بل بات حضورها يُقاس أيضًا بحجم الأثر في مؤسسات الدولة والجامعة والثقافة والاقتصاد. وبحسب أحدث دراسة لهيئة الإحصاء الكندية، بلغ عدد العرب في كندا 795,665 شخصًا في عام 2021، أي ما يعادل 2.2 بالمئة من السكان، بعد أن تضاعف هذا الحضور أكثر من ثلاث مرات منذ عام 2001. وما يلفت النظر أن هذا النمو لم يبقَ في حدود الأرقام، بل أصبح ظاهرًا في مواقع التأثير والعمل العام.

 

وعند النظر إلى هذا الحضور بعيدًا عن القوائم السريعة والانطباعات العامة، تبرز أسماء عربية مهاجرة رسخت مكانتها عبر إنجازات متراكمة واعتراف مؤسسي واضح. وهذه ليست قائمة حصر نهائية، لكنها تضم نماذج بارزة من شخصيات تركت أثرًا ملموسًا في مجالات العلم والسياسة والثقافة والاقتصاد والأدب داخل كندا.

 

في مجال العلوم، يبرز اسم الدكتورة منى نمر، الباحثة المولودة في لبنان والتي نشأت في بيروت قبل أن تكمل الدكتوراه في الكيمياء في جامعة ماكغيل. وتشغل نمر منصب المستشارة العلمية الرئيسية لكندا، بعد مسيرة أكاديمية وبحثية شملت أيضًا منصب نائبة رئيس جامعة أوتاوا للبحث وإدارة مختبر الجينات الجزيئية وتجديد عضلة القلب. كما أعادت الحكومة الفدرالية تعيينها لولاية رابعة في عام 2024، في مؤشر واضح على موقعها داخل منظومة القرار العلمي الكندي.

 

وفي السياسة والعمل العام، يحضر اسم عمر الغبرا بوصفه أحد أبرز الوجوه العربية التي شغلت مواقع متقدمة داخل المؤسسة الفدرالية خلال العقدين الماضيين. الغبرا، المولود في السعودية لأسرة سورية، هاجر إلى كندا في سن التاسعة عشرة، وانتُخب لأول مرة عضوًا في مجلس العموم عام 2006، قبل أن يتولى لاحقًا عدة مناصب برلمانية ويشغل وزارة النقل. وفي عام 2025، عيّنه رئيس الوزراء مبعوثًا خاصًا لكندا إلى سوريا، في خطوة تعكس وزنه السياسي وخبرته في هذا الملف.

 

وفي المسرح والكتابة، يمثل وجدي معوض واحدًا من أبرز الأمثلة على حضور عربي مهاجر تجاوز الإطار المحلي إلى الاعتراف الدولي. فقد غادرت عائلته لبنان خلال الحرب الأهلية، وانتقلت إلى فرنسا قبل أن تستقر في مونتريال عام 1983. ومن هناك، بنى مسارًا فنيًا جعله من أبرز كتّاب ومخرجي المسرح المرتبطين بكندا والفرنكوفونية. كما وصفه وسام كندا، عند تكريمه، بأنه معروف دوليًا بإسهاماته ككاتب وممثل ومخرج ومؤلف مسرحي. وفي تجربته، تحولت الذاكرة الشخصية للهجرة والاقتلاع إلى مشروع فني واسع الحضور.

 

أما في ريادة الأعمال ذات البعد المجتمعي، فتبرز قصة طارق حداد بوصفها واحدة من أكثر النماذج تداولًا في كندا عند الحديث عن أثر اللاجئين في المجتمع المحلي. فقد وصل حداد إلى نوفا سكوشا لاجئًا سوريًا في عام 2015، ثم تحولت تجربة عائلته خلال سنوات قليلة إلى قصة نجاح معروفة على مستوى البلاد. وانطلقت شركة Peace by Chocolate من مطبخ المنزل في عام 2016، مستندة إلى خبرة عائلية طويلة في صناعة الشوكولاتة في الشرق الأوسط. وتكمن أهمية هذه القصة في أنها لم تُقرأ فقط بوصفها نجاحًا تجاريًا، بل أيضًا كنموذج كندي عن إعادة بناء الحياة والعمل والانتماء بعد اللجوء.

 

وفي الأدب، يبرز راوي حاج كأحد الكتّاب الذين نقلوا تجربة الحرب والمنفى من الهامش إلى قلب المشهد الأدبي الكندي. فالكاتب المولود في بيروت هاجر إلى كندا عام 1992 واستقر في مونتريال، ثم راكم حضورًا نقديًا وجوائز بارزة، من بينها جائزة IMPAC Dublin الأدبية وجائزة Hugh MacLennan، إلى جانب وصوله إلى القوائم النهائية لجوائز كندية كبرى مثل Giller وGovernor General’s Literary Awards. وفي حالته، لا يتعلق الأمر بحضور رمزي، بل باسم ثبت موقعه داخل الأدب الكندي المعاصر.

 

ورغم اختلاف هذه المسارات من شخصية إلى أخرى، فإنها تكشف دلالة واحدة واضحة: الحضور العربي في كندا لم يعد محصورًا في نطاق الجالية أو في خطاب الاندماج التقليدي، بل أصبح جزءًا من مشهد أوسع يضم من يساهمون فعليًا في إنتاج المعرفة وصنع القرار وتشكيل الثقافة وتحريك الاقتصاد. وبين نمو الأرقام واتساع التمثيل، تبدو البصمة العربية في كندا اليوم أكثر وضوحًا ورسوخًا من أي وقت مضى.