الوضع المظلم
واحدة من كل ثلاث فتيات في كندا ليست بخير نفسيًا... والأزمة تمتد إلى الأمومة ومنتصف العمر

واحدة من كل ثلاث فتيات في كندا ليست بخير نفسيًا... والأزمة تمتد إلى الأمومة ومنتصف العمر

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

حين تقول البيانات إن واحدة من كل ثلاث فتيات في كندا ليست بخير نفسيًا، فنحن لا نتحدث عن شعور عابر بالحزن، ولا عن مرحلة ستنتهي وحدها. نحن نتحدث عن إنذار مبكر. فبحسب هيئة الإحصاء الكندية، ارتفعت نسبة الفتيات بين 12 و17 عامًا اللواتي وصفن صحتهن النفسية بأنها “متوسطة أو سيئة” من 16% في 2019 إلى 33% في 2023. والأخطر أن الصورة لا تقف عند هذا الحد؛ إذ تُظهر بيانات الصحة العامة الكندية أن 54% من فتيات الصف العاشر قلن في 2022 إنهن شعرن بالحزن أو اليأس لمدة أسبوعين أو أكثر إلى درجة أنهن توقفن عن بعض أنشطتهن المعتادة، مقارنة بـ 27% فقط في 2010.

 

السؤال الأهم هنا ليس فقط: كم العدد؟ بل: لماذا يحدث هذا للبنات تحديدًا في سن المراهقة؟


الجواب، كما تعكسه البيانات الكندية، ليس سببًا واحدًا بل تراكم ضغوط يهبط كله تقريبًا على نفس العمر الحساس. هناك أولًا ضغط المدرسة، الذي يرتفع مع التقدم في الصفوف، وتحديدًا في الصف العاشر حيث يسجل الطلاب أعلى مستويات الضغط بسبب الواجبات والدراسة. وهناك ثانيًا شعور متزايد بالوحدة؛ ففي 2022 قالت 34% من الفتيات في الصفوف 9 و10 إنهن يشعرن بالوحدة “معظم الوقت أو دائمًا”. ثم يأتي العالم الرقمي بثقله: 54% من الفتيات في الصفوف 9 و10 أفدن باستخدام مكثف لوسائل التواصل الاجتماعي، و30% قلن إنهن حاولن الوصول إلى “شكل جسم مثالي” عبر حمية أو رياضة روجت لها المنصات الاجتماعية. هذه ليست تفاصيل صغيرة؛ إنها بيئة يومية تصنع المقارنة، وتضخم الشك في النفس، وتدفع الفتاة إلى الإحساس بأنها مطالبة بأن تكون أجمل وأنحف وأنجح وأكثر قبولًا طوال الوقت.

 

ولا تقف القصة عند المدرسة والشاشة فقط. التقرير نفسه يوضح أن البنات والأولاد في 2022 باتوا يشعرون بأنهم أقل فهمًا من والديهم مقارنة بعام 2018، وأن الدعم الأسري يرتبط مباشرة بمؤشرات أفضل للصحة النفسية، من الرضا عن الحياة إلى انخفاض الشعور بالوحدة والشكاوى الصحية. هذا يعني أن المراهقة الأنثوية اليوم لا تُرهقها التغيرات الهرمونية والجسدية وحدها، بل يرهقها أيضًا شعور خفي بأنها مطالبة بأن تتماسك بينما دعمها العاطفي يتراجع، وأن تبدو بخير حتى عندما لا تكون كذلك.

 

من هنا يبدأ الخيط الأول للأزمة، لكنه لا ينتهي عند المراهقة. ففي مرحلة الأمومة، يتغير شكل الضغط لا حجمه. بيانات هيئة الإحصاء الكندية تشير إلى أن نحو 23% من الأمهات اللواتي أنجبن حديثًا في كندا أبلغن عن مشاعر تتفق مع اكتئاب ما بعد الولادة أو اضطراب القلق، وترتفع النسبة إلى 30% بين الأمهات دون 25 عامًا. هذه الأرقام تكشف أن الأمومة، رغم صورتها الاجتماعية المضيئة، قد تكون أيضًا مرحلة هشاشة نفسية شديدة، تختلط فيها المسؤولية بالإرهاق والعزلة والخوف والتغيرات الهرمونية. كثيرات لا يحتجن إلى نصيحة تقول لهن “اصبري”، بل إلى اعتراف حقيقي بأن ما يمررن به مسألة صحة نفسية تستحق الانتباه والعلاج.

 

ثم نصل إلى منتصف العمر، إلى المرحلة التي تُختصر غالبًا في الحديث عن “سن اليأس” وكأنه مجرد تغير جسدي عادي. لكن الجمعية الكندية لأطباء النساء والتوليد توضح أن الانتقال إلى سن اليأس هو فترة تزداد فيها القابلية لظهور اضطرابات المزاج أو تفاقمها، بما في ذلك القلق، والتقلبات المزاجية، والأعراض الاكتئابية، ومشكلات النوم والتركيز. بمعنى آخر، المرأة قد تدخل هذه المرحلة وهي تظن أنها “متعبة فقط”، بينما ما يحدث أعمق من ذلك بكثير، نفسيًا وبيولوجيًا في الوقت نفسه.

 

لهذا بالضبط لم يعد ملف صحة المرأة النفسية في كندا موضوعًا هامشيًا. CAMH خصص مؤتمر womenmind 2026 لمحور “صحة المرأة النفسية عبر مراحل العمر” ، في اعتراف واضح بأن القضية ليست سلسلة أحداث منفصلة، بل مسار يبدأ من المراهقة، ويمر بالأمومة، ويصل إلى منتصف العمر. والأكثر إيلامًا أن هذا العبء الكبير لا يقابله حتى الآن تمويل بحثي منصف؛ فالمركز نفسه يشير إلى أن النساء في كندا يقضين 24% أكثر من الرجال من أعمارهن في حالة صحية أسوأ، بينما أقل من 7% فقط من تمويل الأبحاث خلال السنوات الخمس عشرة الماضية وُجه إلى صحة المرأة، ولم تحصل أبحاث الصحة النفسية للنساء إلا على 0.58% من ذلك التمويل.

 

الخلاصة التي يجب أن تصل للقارئة هنا بسيطة ومؤلمة في آن واحد: الحزن عند البنات في المراهقة ليس “دلع سن” كما قد يتخيل البعض، واكتئاب ما بعد الولادة ليس ضعفًا، واضطراب المزاج في منتصف العمر ليس مبالغة. هذه كلها محطات في ملف واحد اسمه صحة المرأة النفسية. والرقم الذي بدأنا به، “واحدة من كل ثلاث فتيات”، ليس مجرد عنوان صادم، بل بداية قصة أطول بكثير عن نساء يحتجن أن يُسمعن مبكرًا، ويُفهمن بجدية، قبل أن تتحول المعاناة من مرحلة إلى نمط حياة.