الوضع المظلم
أعطني الناي وغنِّ

أعطني الناي وغنِّ

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

بقلم الكاتبة / أميمة عبدالعزيز

ينمو في صمتٍ بالأحشاء، ويتسلل في دمائنا حتى بات عالمًا نحيا داخله؛ لا زمن، لا منطق، لا ماضٍ ولا مستقبل، لحظة حاضرة، وما قبلها وما بعدها ضباب.

 

كان يجلس على شاطئ البحر، لا يرى سوى هموم الحياة تتراقص أمام مقلتيه، حتى جذبه صوت مألوف يغني كلمات تدور بخلده كل يوم: أعطني الناي وغنِّ.

 

تتبع الصوت، ونظر حوله في كل مكان، فلم يرَ سوى أمواج وغيوم. ثم صمت الصوت برهة، وعاد أقوى من ذي قبل. وجدها تجلس جواره، تنظر إلى عينيه، وابتسامة رقيقة مطبوعة على شفتيها الرقيقتين.

 

أخذ يغني معها، وكادت الطبيعة تعزف لهما الألحان. تركت مكانها، وأخذت تعدو يمينًا ويسارًا، وتدور في دوار، وتضحك، وتجذب يده ليرقص معها، حتى غابت الشمس، ولم تغب ضحكاتهما.

 

استيقظ عدنان على صوت ضحكاتها. ابتسم. لم يتخيل أنه ذلك الشاب الوقور الذي يعمل في وظيفة دبلوماسية، يرقص ويغني على الشاطئ العام مع فتاة لم يرها من قبل.

 

جلست طوال النهار تفكر فيما رأته. حلم غريب كأنه حقيقة. كيف لم يتذكرني؟ هل تغير شكلي إلى هذا الحد؟

 

يوم آخر مرهق. جلس في الشرفة المطلة على الحدائق، لعلّه يشعر بشيء من الارتياح. ما زالت ضحكاتها تحيا بداخله، يغمض عينيه بين الحين والآخر، فيراها أمامه تمد له يدها، وتجذبه إلى الرمال الناعمة. تدحرجا عليها كالأطفال، وغاصت أقدامهما العارية فيها. وسرعان ما لحق بهما القمر، فسكن الكون على ضوء فضي، تتلألأ فيه مصابيح السماء.

 

سألها:
ـ هل أهذي؟
قالت:
ـ لماذا؟ أمرك عجيب، لماذا تقول هذا؟
قال:
ـ كلما فكرت بكِ وجدتك أمامي. لا أشعر بغربة نحوك، ربما كانت بيننا حياة في ماضٍ ما، ولكن ما هذا الضباب الذي يحجب ذاكرتي؟
قالت:
ـ لا تأبه. عش لحظة الحاضر، قبل أن تصير سرابًا كالماضي.

 

جاء راعي النجوم سريعًا، ولملم ستار الليل. واستيقظ الصباح متثاقلًا. نظرت بجوارها وهي تتثاءب، وأرسلت ذراعها إلى صدره. احتضنها، وأغلقا جفونهما على فرحتهما.

 

ـ عدنان، حبيبي، الوقت تأخر. أعددت لك قهوتك. استيقظ الأولاد وذهبوا إلى المدرسة منذ قليل.
ـ مرام، حبيبتي، لن أذهب إلى العمل اليوم. سأذهب لزيارة أمي، فقد اشتقت إليها كثيرًا.

 

سئمت العمل. لقاءات، صحافة، ضجيج المدينة، مشاعر مفتعلة. حتى الابتسامات أرسمها، كأنني أضع المساحيق على وجهي. أشتاق إلى إجازة على شاطئ البحر، بعيدًا عن الناس. النفاق يخنقني.

ـ أنتِ... أصدفة من جديد؟ هل أتيتِ هاربة من الوجوه المتلونة؟


ـ نعم يا عدنان، ولكن اليوم مختلف. لقد امتلكت الفراشة أجنحة حريرية. تمسك بي، سآخذك إلى كهف السحاب.
ـ مرام، كيف نبتت لك أجنحة؟ هل أنتِ جادة فيما تقولين؟

 

احتضنها بقوة، وغادرا الأرض. طارت به فوق الماء، حتى وصلا إلى السحب. بللت قطرات باردة وجهه. وصلا إلى أعلى السحاب، فوجدا كهفًا مضاءً بضوء القمر. جلسا طويلًا، وتحدثا في كل شيء، وقبل طلوع الشمس هبطا إلى العالم الأرضي.

في اجتماع هام مع بعض السياسيين ورجال الأعمال، أخرج عدنان هاتفه. صمت الجميع، يبحثون عن مصدر صوت فيروز: أعطني الناي وغنِّ.

 

نظر الجميع بتعجب. جلس مسترخيًا، مغمض العينين، سابحًا في كلمات الأغنية. وحين أدرك صمتهم، اعتدل في جلسته، وأغلق الهاتف، وبدأ الحديث:

 

ـ ربما أهذي كثيرًا، ولكنني حي. أما أنتم، فمنذ لفظتكم أرحام أمهاتكم، قذفتم بقلوبكم وعقولكم إلى العدم. الحياة ليست هنا، وسط هذا الزيف. الحياة هناك، بعيدًا عن التلوث الذي خلفه الإنسان بحماقته ومراهقته. اخلعوا عنكم تلك الأقنعة، قبل أن تعودوا إلى التراب.

 

مرام... أين أنتِ؟ أحتاج إلى الاختباء. ضميني بين أحضانك ما تبقى من العمر، واسكبي وهج روحك بداخلي، يا كهف السحاب.