الطلاق بين الأسر العربية في كندا: ضغوط المعيشة وتبدل الأدوار وصورة أعقد من الأحكام السريعة
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
لا تسند البيانات الحديثة المقولة الشائعة داخل بعض الجاليات العربية في كندا بأن كل زواج يقابله طلاق. فأحدث ما نشرته هيئة الإحصاء الكندية عن تفكك أول اتحاد أظهر أن المهاجرين الحاصلين على الإقامة الدائمة كانوا أقل احتمالًا لانتهاء اتحادهم الأول من المولودين في كندا، بنسبة 24 بالمئة مقابل 41 بالمئة في بيانات 2017. وفي أحدث البيانات الوطنية المنشورة عن الزواج والطلاق، سجلت كندا 42,933 حالة طلاق و98,355 زواجًا في 2020، وهي سنة استثنائية تأثرت بقيود الجائحة وتعطل المحاكم والخدمات.
لكن هذا لا يعني أن الأسرة العربية المهاجرة تعيش بعيدًا عن الضغوط. فدراسة "صورة السكان العرب في كندا" التي نشرتها هيئة الإحصاء الكندية أظهرت أن عدد العرب في كندا بلغ 795,665 شخصًا في 2021، وأنهم فئة فتية نسبيًا، ويعيش معظمهم في أسر لديها أطفال. كما بينت الدراسة أن 63.6 بالمئة من العرب كانوا يعيشون في أسر مكونة من والدين وأطفال، وهي نسبة أعلى من المعدل الكندي العام.
وتحت هذا السطح تبدو الضغوط الاقتصادية أوضح. فالعرب في كندا، رغم ارتفاع مستوياتهم التعليمية، سجلوا أدنى دخل أسري معدل بعد الضريبة بين المجموعات العرقية الملوّنة في 2020 عند 40,400 دولار، مقارنة بـ 53,600 دولار لدى غير الملوّنين وغير السكان الأصليين. كما بلغ معدل تشغيل النساء العربيات بين 25 و54 عامًا 55.1 بالمئة فقط في مايو 2021، مقابل 78.8 بالمئة لدى النساء غير الملوّنات وغير السكان الأصليين في الفئة العمرية نفسها. وهذه الفجوة لا تقول وحدها إن الطلاق يرتفع، لكنها تقول إن البيت العربي المهاجر يعمل في بيئة أكثر هشاشة ماليًا، وأكثر توترًا في توزيع الأدوار، وأكثر عرضة لتآكل الصبر تحت ضغط المعيشة.
وفي تفسير هذه الضغوط، تختلف القراءات. فالدكتورة آنا ماري أمبيرت من جامعة يورك ترى أن تعديل قانون الطلاق في كندا عام 1968 كان من العوامل التي ساهمت تاريخيًا في اتساع الظاهرة عبر العقود. أما المستشار الاجتماعي والنفسي داود سليمان، المتخصص في مشكلات الأسرة والمراهقين في مونتريال، فيرجع بعض الحالات داخل الجالية العربية إلى أسباب داخلية ناتجة عن التنشئة، خاصة لدى أبناء نشأوا في بيوت افتقدت حضور الأب بسبب الحروب واللجوء والتفكك الذي أصاب بعض الأسر قبل الهجرة. وبرأيه، فإن من كبروا وهم يفتقدون نموذج الأسرة المتوازنة قد يجدون لاحقًا صعوبة في بناء استقرار مشابه داخل زواجهم.
ومن زاوية أخرى، أ. جمال أن غياب الضمير عند بعض الآباء ووقوع الأمهات تحت الظلم انعكس لاحقًا على الأبناء الذين دفعوا ثمن تلك العلاقات المختلة. بينما تقول السيدة غادة إن أبناء الأسر العربية الذين ترعرعوا في كندا لم يعودوا يقيمون الزواج بالمعايير نفسها التي كانت تحكمه في بلدانهم الأصلية، وإن الصدام بين العادات والتوقعات المختلفة قد يهز أركان بيت كان يفترض أن يقوم على الألفة. وتضيف أن بعض الآباء والأمهات يسهمون أحيانًا في تعميق الخلافات، خاصة حين يتمسكون بعادات اجتماعية لا تنسجم مع روح الدين ولا مع طبيعة الحياة الجديدة.
وتزداد الصورة وضوحًا عندما ننظر إلى المناخ الاقتصادي الأوسع. ففي أبريل 2024، قال 43 بالمئة من المهاجرين الجدد في كندا إنهم يجدون صعوبة أو صعوبة شديدة في تلبية احتياجاتهم المالية خلال الاثني عشر شهرًا السابقة، مقارنة بـ 29 بالمئة لدى المهاجرين الأقدم و29 بالمئة لدى غير المهاجرين. وفي ملف الغذاء، ارتفع انعدام الأمن الغذائي الأسري في المقاطعات العشر من 16.8 بالمئة في 2019 إلى 22.9 بالمئة في 2023. هذه ليست بيانات عن الطلاق مباشرة، لكنها بيانات عن البيئة التي تختبر فيها العلاقات يوميًا: السكن، الفواتير، الطعام، والعمل.
وفي هذا السياق، ترجّع السيدة سهى جزءًا من الظاهرة إلى تراجع النظرة الاجتماعية المعيبة إلى المرأة المطلقة، إلى جانب وجود دعم مالي ومجتمعي أوسع في كندا. أما سمر فترى أن المرأة العربية المهاجرة تجد نفسها أحيانًا في مواجهة مباشرة مع نموذج مختلف للحياة الأسرية، حيث العمل والمساهمة المالية يقابلهما توقع طبيعي بأن يشارك الزوج في الأعمال المنزلية ورعاية الأطفال. ومن هنا تدخل بعض النساء في صراع بين القيم التي نشأن عليها والقيم الجديدة التي يفرضها الواقع الكندي. أما سماح فترى أن تغير الأدوار داخل الأسرة، وخروج المرأة إلى العمل والتعليم، أعادا تشكيل نظرتها إلى ما تقبله أو ترفضه داخل العلاقة الزوجية، كما أن بعض بنات المهاجرين اللواتي نشأن في مناخ الحرية الكندي قد يدخلن في صدام مع أزواج قدموا حديثًا وما زالوا متمسكين بنظرة شرقية تقليدية للعلاقة بين الرجل والمرأة.
ومع ذلك، فالصورة ليست سوداء بالكامل. ففي 2024، أفادت هيئة الإحصاء الكندية بأن المهاجرين أكثر رضا عن علاقاتهم الأسرية من غير المهاجرين، بنسبة 78 بالمئة مقابل 74 بالمئة، وارتفعت النسبة إلى 82 بالمئة بين من مضى على وجودهم في كندا أقل من عشر سنوات. هذا يعني أن الهجرة لا تنتج تلقائيًا تفككًا أسريًا، لكنها لا تلغي في الوقت نفسه وجود بؤر توتر حقيقية داخل بعض الأسر، خاصة حين تتلاقى غلاء المعيشة، وتعثر الاندماج المهني، واختلاف وتيرة التغير بين الزوجين، وتبدل التصورات حول السلطة داخل البيت والعمل والرعاية.
ومن أهم ما تغيّر هو السياق القانوني والاجتماعي الذي تقرأ داخله قضايا الانفصال اليوم. فوزارة العدل الكندية توضح أن تعديلات قانون الطلاق التي دخلت حيز التنفيذ في 1 مارس 2021 استبدلت لغة "الحضانة والزيارة" بمفاهيم ترتبط بمسؤوليات الرعاية والاتصال، كما ألزمت المحاكم بأخذ أثر العنف الأسري في ترتيبات الأطفال في الاعتبار. وفي موازاة ذلك، توضح الحكومة الفيدرالية أن بعض ضحايا العنف الأسري في مسار الهجرة يمكنهم الحصول على تصريح إقامة مؤقتة خاص بضحايا العنف الأسري لمدة لا تقل عن 12 شهرًا، مع إعفاءات من رسوم معينة. وهذه التغييرات تذكر بأن الطلاق ليس دائمًا مرادفًا لفشل العلاقة فقط، ففي بعض الحالات يكون مخرجًا من علاقة غير آمنة.
وتزداد أهمية هذا البعد عندما نقرأ أرقام العنف بين الشركاء. فبيانات كندا الرسمية تشير إلى أن 123,319 شخصًا بعمر 15 سنة فأكثر تعرضوا لعنف من شريك حميم في 2023، وكان 78 بالمئة منهم نساء. لذلك فإن أي حديث صحفي حديث عن الطلاق داخل الأسر المهاجرة لا يصح أن يبنى فقط على الحنين إلى "الأسرة القديمة" أو على لوم النساء أو الرجال بوصفهم سببًا وحيدًا. ما تقوله الأرقام اليوم هو أن الملف أعقد: هناك أسر متماسكة رغم الضغوط، وهناك زيجات تتصدع تحت ثقل المعيشة والاغتراب وتفاوت الاندماج، وهناك علاقات يجب أن تقرأ من زاوية الأمان قبل السمعة الاجتماعية.
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly5316 المقالات
منشورات شائعة
-
ما وراء البروتوكول | لورن...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 5, 2026
-
الباتيك الإندونيسي.. حين...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 5, 2026
-
اليوم في ميسيساجا.. القنص...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 5, 2026
-
من أول مسجد إلى الهندسة و...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 5, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!