الوضع المظلم
القناع.. قصة قصيرة للأديبة أميمة عبدالعزيز من خارج نطاق الزمن

القناع.. قصة قصيرة للأديبة أميمة عبدالعزيز من خارج نطاق الزمن

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

قد تخفي الكمامة وجهاً خوفاً من المرض، لكنها قد تخفي أيضاً سراً، أو جرحاً نفسياً، أو رغبة في الهروب من نظرات الآخرين.

 

في قصتها «القناع»، من مؤلفها «خارج نطاق الزمن»، تتناول الأديبة أميمة عبدالعزيز وجوهاً مختلفة للحياة خلال الوباء، من خلال شخصيات وجدت في الكمامة أكثر من وسيلة للحماية. فبين من استخدمها للتخفي من المساءلة، ومن استعان بها لاستعادة ثقته في الخروج إلى العالم، تكشف الكاتبة مفارقات إنسانية مؤلمة، وصولاً إلى أولئك الذين كانت الكمامة بالنسبة إليهم عبئاً لا يُحتمل.

القناع

بقلم الأديبة أميمة عبدالعزيز

اجتاح العالم وباء غريب، قتل على إثره الملايين، الجميع يخشاه، خلت الطرقات من المارة شهوراً طويلة، تحذيرات في كل مكان، مرض لا يفرق بين غني أو فقير.

 

أصبحت زيارة المشافي مغامرة، أطقم الأطباء والمساعدين جنود بواسل، وكأنه شكل جديد للإرهاب، يرتدي طاقية الإخفاء، يختار ضحاياه بلا رحمة وبكل قسوة، من أفلت من قبضته يظل في حذر لربما حان دوره.

 

لذلك بدأ التمسك بطوق النجاة، الكمامة الطبية، قطعة من القماش تخفي معظم الوجه، اعتاد الناس عليها، بل وأدمنها البعض ووجدوا فيها مآرب أخرى.

 

علاء الدباغ عضو مجلس النواب المتهم بالفساد وجدها وسيلة جيدة للتخفي، بعد وعوده الكثيرة لأهالي دائرته برصف الشوارع وتنظيفها من القمامة المتراكمة، وبعد جمع نصف مليون جنيه لعمل وحدة صحية بأحدث المعدات.

 

ظل هكذا عدة شهور، حتى فاض بهم الكيل، نسوا الوباء وانتظروه أمام باب شقته، لم يستطع الإفلات منهم، حتى أعاد لهم أموالهم، وتم تصويره وفضحه على مواقع التواصل الاجتماعي بعد خلع الكمامة عنه.

 

أما السيدة ناهد الدرملي التي تجاوزت الأربعين، تدمن عمليات التجميل، وبعد فشل آخر عملية، شوهت أنفها، لم تخرج من منزلها وأبلغت الجميع أنها سافرت خارج مصر حتى امتنع الجميع عن السؤال عنها.

 

لكنها ملّت جدران الفيلا، أصبحت سجينة إدمانها، كرهت التلفاز، كانت الكمامة الطبية أفضل وسيلة للخروج من الفيلا دون أن يرى أحد ما حدث في وجهها، أصبحت تذهب لقضاء حاجاتها وللنزهة مع صديقاتها بدون أي حرج.

 

أما أحمد مدكور الذي عاش مأساة النجاة من الموت بأعجوبة في حادث قطار، أودى بحياة عائلته بالكامل، ومنذ خروجه من المصحة النفسية، لم ينجُ من الاكتئاب، نادراً ما يخرج من منزله، أصبح لا يحتمل نظرات الناس إليه، يشعر بأن الجميع يلومه على نجاته.

 

شاهد في التلفاز، الناس في كل مكان ترتدي الكمامة، بل ويتحصنون بالتباعد الاجتماعي، شعر بالراحة الشديدة، تحصن بالكمامة، وجد فيها الحماية من عيون المجتمع الناقدة، خرج إلى الشارع بحذر، وعندما تأكد بأن لا أحد يلحظ وجوده، أصبح الخروج عادة يومية.

 

وعند عودته إلى البيت، يخلع الكمامة ويضعها أمامه، هو يقدر مساعدتها في تغيير حياته، ليس فقط للخروج من المنزل، بل للخروج من الوحدة بعد الصداقة التي نشأت بينه وبينها، أخيراً وجد من يستمع إليه بعد صمت دام سنوات.

 

هكذا كانت الكمامة ملاذاً للكثيرين، أما سهام وعنايات وفهمي وسمير وحلمي وغيرهم، نزلاء مشفى الصدر الذين يعانون من ضيق في التنفس، كانت الكمامة كابوساً خانقاً، لم يحتملوها وهم أشد الناس احتياجاً لها.

القناع.. قصة قصيرة للأديبة أميمة عبدالعزيز من خارج نطاق الزمن