المدينة البيضاء.. الحلقة الثانية من "آدم في العالم الموازي" لصابر الجنزوري
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
تواصل نيوز نشر سلسلتها الأدبية الأسبوعية كل خميس من المجموعة القصصية "آدم في العالم الموازي" للأديب المصري صابر الجنزوري، في تجربة نعتز بها لما تحمله من خصوصية فنية وقدرة على الجمع بين الخيال الرمزي والأسئلة الوجودية والقلق الإنساني.
وفي الحلقة الثانية من هذه السلسلة، نقترب من قصة "المدينة البيضاء"، وهي قصة مشبعة بصورة كونية مقلقة، يختلط فيها ما بعد الخراب بفكرة الخلاص، ويتحول القادم من السماء إلى سؤال كبير عن الإنسان، والعالم، وما تبقى منهما بعد الطوفان.
المدينة البيضاء
لم يكن أحد يعرف متى بدأ الانحدار، ولا متى تكسرت ساعات الزمن على عتبات العدم.
السماء كانت بيضاء، بلا شمس ولا غيم، كأنها تمحو ما تبقى من ذاكرة البشر.
في المسافة بين الطوفان الأخير والبقعة الأولى، لم يبق من العالم سوى فكرة معلقة بين السماء والأرض.
كان البيت الأبيض يهبط ببطء، كما لو أنه يتذكر طريقه من حياة سابقة.
إنه يشبه الكعبة التي في مكة، مع فارق أن الكسوة بيضاء ومطرزة بالذهب. كانت كل الأقمار الصناعية تنقل المشهد.
العالم ينتظر القادم من السماء؟
لم يكن أحد يدري أين تكون الأرض التي سيهبط عليها.
كان الغبار الذري، الذي ملأ السماء، قد انقشع، وأتبعه المطر الغزير الذي ظل ينهمر أسبوعًا كاملا.
خرجت الناس من الأنفاق، لم يعد هناك أثر للموتى والجثث التي ملأت الشوارع، كأنها الديناصورات الجديدة.
لم تعد الأرض تدور حول الشمس، اختفى الليل، سقط القمر على كوكب زحل، وانفجرت براكين الكوكب الأحمر.
كان العالم يترقب "البيت الأبيض"، الذي ينزل من السماء، وقد صورته الأقمار الصناعية قبل خمسين عامًا كقبعة صغيرة، وأظهرت الصورة التي التقطها التلسكوب الكبير شكلا للرجل الذي يسكنه، والبيت يطفو فوق الماء.
عندما نشرت الصور، قالوا إن تلك الصور مثل السراب الذي يراه الظمآن في الصحراء.
بعد أن انتهت الحرب، ظل البيت يقترب ويبدو من الأرض، لكن أين سيكون بيت القادم من السماء؟
كان هذا هو سؤال العلماء.
ابتعد البيت عن سماء واشنطن ولندن وباريس وموسكو.
راقبوا حركته واتجاهه ناحية الشرق.
ابتعد عن القدس ومكة والنجف والعراق.
كان "الخضر" هو العالم الوحيد على وجه الأرض الذي يعرف القادم وموعد قدومه، وأين ينزل ويقيم بيتًا على الأرض.
كان الخضر هو الذي حلل الصورة وعرف مكان وجودها واتجاهاتها عندما طبق عليها نظريته الجديدة التي درسها في معبد أوزوريس قبل عشرة آلاف عام.
كان قد حدث بينه وبين القادم تواصل عن طريق هاتف مزود بكل الذبذبات والترددات التي لا يستطيع البشر التقاطها.
قال لمقدمة البرنامج التي تم استنساخها في صورة القديسة مريم، وتحدث إليها في أسى:
كل شعب ينتظر مخلصه.
تساءلت:
أحقا هو ابن السماء؟
يجيب الخضر:
لا تكونوا بلهاء وحمقى، إنه ليس المخلص، فمن أي شيء يخلصكم أيها الحمقى بعد أن دمرتم عالمكم؟
لقد ظننتم أنكم قادرون على كل شيء. القادم من السماء الذي ترونه ليس يسوع ولا المهدي ولا كونفوشيوس ولا بوذا ولا زرادشت أو الحاكم بأمره.
إنه ليس رسولا ولا نبيًا، فقد قتل آباؤكم الأنبياء وكذبتم الرسل وحرقتم كتبهم وأخفيتم صحفهم، وألقمنا كتبًا جديدة لتنسيكم كتب السماء.
لقد قدستم الكهنة والشيوخ والقديسين والرهبان والحاخامات والدجالين.
القادم من السماء هو الذي سيزرع في عقولكم الحقيقة ويمحو الوهم الذي في نفوسكم.
كيف يفعل ذلك؟
هناك ذرة في عقل الإنسان يعرف شفرتها.
في حجرة التحكم التي بها أجهزته التي لن تخطر يومًا على عقولكم ولا قلوبكم، سوف يعيد تركيب ذرات فيعيد الأيونات والبروتونات والإلكترونات بطريقة جديدة.
سوف تكونون خلقًا جديدًا.
أهو الإله الذي سوف يفعل؟
قال الخضر:
بل هو مرسل منه، ومعه مفاتيح العلم وسر الروح، ومكلف بعمل الشفرة الوراثية وتركيبة العقل الجديد.
كيف ذلك؟
تذكري ما حدث في الطوفان الأول؟
توقف البيت بشكل عمودي فوق بقعة البرزخ التي تفصل بين الماء العذب والماء المالح، في ذلك الفاصل الوهمي بين النهر والبحر، تكونت جزيرة جديدة لا يستغرق وجودها سوى ساعة بتوقيت زماننا، نقلتها الشاشات الموجودة في أكف الناس.
هتف المعلق الذي دوى صوته فأسمع الصم والعمي والدواب:
انظروا... ها هي المدينة البيضاء ذات الشوارع البيضاء والأشجار الحمراء والقصور الفضية، وهذه حديقة خضراء كبيرة تنتظر البيت الأبيض وصاحبه.
كانت قوانين النسبية والجاذبية تلاشت، ومدارات الكواكب والنجوم تبدلت أماكنها.
الحركة وسرعة الضوء أصبحت بطيئة.
الديناصورات الجديدة تحرس أسوار المدينة الجديدة، والأسود تقف على بوابتها.
تغير قانون السرعة والمسافة والزمن. ظهر الخضر ومريم في الجزيرة. كتبت تنويهًا تقول:
لم يبق على نزول "الملك" سوى ضغطة واحدة على زر برنامج الروح.
عندها سوف يغفو العالم، وضغطة أخرى سوف يصحو فيجد نفسه ناسيًا ماضيه الذي كان.
عن الكاتب
صابر الجنزوري أديب مصري وعضو اتحاد كتاب مصر ونادي القصة المصري. جمع بين التكوين العلمي في الجيولوجيا والهندسة الجيوفيزيائية وبين الكتابة الأدبية، وصدرت له مجموعات قصصية منها "وجه آخر للعشق" و"صديقتي ملحدة" و"القادم من السماء"، إلى جانب إصدارات فكرية ومعرفية أخرى.
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly5252 المقالات
منشورات شائعة
-
مونتريال تستضيف لقاءً تحض...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
-
13 عملاً في القائمة القصي...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
-
الكبد والحمل.. لماذا تحذّ...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
-
أكتوبر الوردي: 89 امرأة ت...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!