الوضع المظلم
امرأة من الوطن.. قصة قصيرة للأديبة أميمة عبدالعزيز عن النجاة والكرامة

امرأة من الوطن.. قصة قصيرة للأديبة أميمة عبدالعزيز عن النجاة والكرامة

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

أميمة عبدالعزيز
امرأة من الوطن

في قرية نائية على ضفاف النهر، كانت نادية تعيش بين أكوام من كتب باللغة الروسية. دكتورة شابة في الأدب الروسي، تعلّم أبناء الفلاحين حب دوستويفسكي وتولستوي، وتزرع فيهم قيم العزة. ومن أشهر مقولاتها لهم: إن الروح لا تُباع ولا تُشترى.

 

في فجر خريفي قارس، اقتحمت عصابات مسلحة القرية. لم تمهلهم الرصاصات ولا الصرخات. خطفوا نادية مع ثلاثين فتاة وسيدة، حشروهن في شاحنات صدئة، وقطعوا بهن الصحراء أيامًا.

 

وصلوا إلى سوق النخاسة في بلدة حدودية. هناك، وقفت نادية كتمثال من ثلج، تنظر إلى أعين المشترين الزجاجية. باعوها لأول مشترٍ: تاجر أسلحة سمين لم ينطق بكلمة، فقط دفع الذهب ودفعها إلى غرفة معتمة. ثم أعاد بيعها لعدة أشخاص فاسدين.

 

مع كل انتقال، كانت نادية تحفظ وجوههم كأنها شخصيات في روايات بائسة. كانت تهمس في أحشائها بعبارات من "الجريمة والعقاب"، وكأن المعاناة تُقرأ بصوت هامس في زنزانة النفس.

 

بعد عدة أعوام من السبي، حرّرها الجيش في غارة مباغتة على معسكر العصابات. وجدها الأطباء العسكريون واهنة، تحمل ثلاثة أطفال صغار ليس لهم آباء معروفون، ورابعًا يختبئ في بطنها.

 

عادت نادية إلى قريتها المحروقة. لم تبكِ، لم تسأل عن الماضي. فتحت مكتبتها المبعثرة، وجمعت أطفالها الأربعة حولها، وقالت لهم:

 

"لستم أولاد أحد. أنتم أحرار تنتظركم الحياة لتضعوا بصمتكم بعزة وكرامة. أنتم قصتي الجديدة التي سنكتبها معًا".

 

اعتزلت نادية الناس، وصارت تكتب في بيتها المتهالك. تكتب عن نساء يملن كالسنابل بعد العاصفة، وينبتن من جديد. عن أبناء بلا آباء، عن جذور لا تعرف التراب الذي زرعها، لكنها تعرف كيف تزهر.

 

في نهاية كل كتاب، كانت تهدي الرواية: "إلى أربعة أرواح لم يعرفوا الطريق، لكنهم علموني الطريق".