الوضع المظلم
تذكرة سفر

تذكرة سفر

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

بقلم: أميمة عبد العزيز

كان عمر شغوفا بالسفر منذ صغره. كلما وطئت قدماه أرضا جديدة، شعر بنشوة لا تشبه شيئا. زار أوروبا، القارة العجوز، وتجول بين معالمها القديمة. قام برحلات إلى البراري، وتسلق الجبال، وغاص في أعماق البحار.

 

وفي إحدى رحلاته إلى أرخبيل ناء، وصل إلى جزيرة صغيرة لا تظهر في الخرائط. كان يسكنها قوم بسطاء يعيشون في أكواخ من القش والأعواد، لا يعرفون الكهرباء، ولا الإنترنت، ولا حتى العجلات.

 

هناك التقى بفتاة جميلة. كانت عيناها تعكسان صفاء السماء وهدوء البحر. لم تكن تعرف سوى بعض المفردات الإنجليزية، إلى جانب لغة قبيلتها.

 

في صباحه الأول على الجزيرة، استيقظ على صوت الريح لا على صوت المنبه. تناول طعامه من ثمار جوز الهند التي سقطت من الشجرة، وشرب من ماء النبع بلا فلتر ولا زجاجة بلاستيكية. رآها تجلس قرب كوخها، تنسج سلة من سعف النخيل، وابتسامة هادئة لا تفارق وجهها.

 

سألها: ألا تملين؟

 

فأشارت إلى السماء، ثم إلى البحر، ثم إلى أطفال القرية وهم يركضون فوق الرمال، وقالت بلغتها البسيطة:

 

كيف يمل الإنسان من الجنة؟

 

مرت الأيام، وتخلى عمر تدريجيا عن ساعته، ثم عن هاتفه الذي نفدت بطاريته، ثم عن حذائه. صار يحفر بأصابعه في الرمال الذهبية، ويسبح كما يسبح أهل الجزيرة، وينام تحت النجوم من غير أن يطارده التفكير في الغد.

 

تعلم لغتهم شيئا فشيئا، فصار أكثر قربا منهم، وأكثر قدرة على فهم ضحكاتهم وإشاراتهم وصمتهم. ومع اللغة، جاء شعور لم يعرفه من قبل. شعور بالأمان، وبالانتماء، وبأنه لم يعد زائرا عابرا.

 

في ليلة مقمرة، جلس مع شيوخ القبيلة حول نار صغيرة. لم يتحدثوا عن السياسة، ولا الاقتصاد، ولا آخر الأخبار. تحدثوا عن شكل الغيمة التي مرت عصرا، وعن سلحفاة وضعت بيضها على الشاطئ، وعن نجم جديد ظهر في السماء.

 

ضحك الشيخ الأكبر وقال:

 

نحن أغنى أغنياء العالم، لأننا لا نريد شيئا.

 

وقف عمر على الرمال ينظر إلى البحر. رأى سفينته تقترب من بعيد، ثم رأى جميلة، كما كان يسميها في سره، تعد فطورها من ثمار البابايا. رأى نفسه في عينيها حرا، حقيقيا، بلا أقنعة، فأدار ظهره للسفينة.

 

ترك وراءه العالم كله. التكنولوجيا التي كانت تحاصره، والضغوط التي كانت تشله، والسباق المجنون نحو لا شيء. لم يعد يريد أن يكون مسافرا، بل أراد أن يكون وطنا لأحدهم، وأن يتعلم كيف تكون البساطة حياة كاملة لا نقصا في الحياة.

 

بعد سنوات، وصل إلى الجزيرة بعض السياح الذين سمعوا قصته. وجدوه رجلا أسمر البشرة، طال شعره وابيض، يجلس تحت شجرة مانجو، يعلم أطفال القبيلة القراءة والكتابة.

 

سألوه: ألا تفتقد العالم؟

 

فضحك، ونظر إلى البحر طويلا، ثم قال:

 

العالم لم يكن خارج هذه الجزيرة أبدا. كان هنا، في قلبي، لكنني لم أكن أعرف كيف أراه.