الوضع المظلم
حين كبر القلب واتسع للحياة: حسام أبو العلا من وجع البدايات إلى نضج الحكاية

حين كبر القلب واتسع للحياة: حسام أبو العلا من وجع البدايات إلى نضج الحكاية

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

إعداد: تهاني الغزالي 

 

ليست قيمة الكاتب في أنه يملك موضوعات يكتب عنها، بل في أنه يملك روحًا خاصة يرى بها العالم، ويعيد بها تقديم الإنسان إلى القارئ. وهذا ما يجعل تجربة حسام أبو العلا تجربة تستحق التوقف الطويل؛ لأنها لا تقوم على الحكاية وحدها، ولا على العاطفة وحدها، بل على ذلك التآلف النادر بين الإحساس الصادق، والرؤية التي تنضج مع الزمن، والقدرة على الإصغاء إلى ما لا يقال.

 

من يقترب من مسار حسام أبو العلا يكتشف أن رحلته لم تكن مجرد انتقال من كتاب إلى آخر، بل كانت انتقالًا من درجة شعورية إلى درجة أعمق، ومن مساحة وجدانية ضيقة إلى أفق إنساني أكثر رحابة. ففي الأعمال الأولى، كان القلب حاضرًا بوصفه مركز العالم، وكانت الكتابة مشدودة إلى مشاعر الانكسار، والانتظار، والخذلان، وتلك المناطق الرقيقة التي يختبر فيها الإنسان ضعفه أمام الحب والفقد. غير أن هذه البدايات، على ما فيها من حرارة وجدانية، لم تكن يومًا كتابة سطحية عن المشاعر، بل كانت منذ اللحظة الأولى تنطوي على شيء أبعد: حساسية عالية تجاه الكسر الإنساني، وانتباه مبكر إلى ما تفعله الحياة في الداخل.

 

ولهذا يبدو منصفًا القول إن حسام أبو العلا لا يكتب الإنسان من الخارج، بل من داخله؛ من شروخه الصغيرة، ومن حنينه الذي يطول أكثر مما ينبغي، ومن مخاوفه التي لا يراها الناس، لكنها تغيّره بصمت. في نصوصه لا نجد الإنسان بوصفه فكرة، ولا بوصفه حالة خطابية، بل بوصفه كائنًا هشًا، يمشي في الحياة بما يحمله من تعب، ويخفي خلف ملامحه العادية تاريخًا من الخسارات والأسئلة المؤجلة. وهذه، في تقديري، واحدة من أجمل خصائص كتابته: أنه لا يفتن القارئ بالحدث وحده، بل يلمسه من المنطقة التي يعرفها كل واحد منا في نفسه، حتى إن لم يقلها يومًا.

 

غير أن الأجمل من البدايات نفسها، هو ما جرى لاحقًا في هذه التجربة. فحسام أبو العلا لم يبقَ أسير الرومانسية الأولى، ولم يكرر صوته القديم على نحو مريح أو مأمون، بل أخذ كتابته إلى منطقة أكثر اتساعًا ونضجًا. صار القلب عنده أقل انشغالًا بذاته، وأكثر انفتاحًا على وجع العالم. لم يعد الألم محصورًا في علاقة تنكسر، أو انتظار يخذل صاحبه، بل أصبح ألمًا أوسع: ألم إنسان يواجه الحياة وهي تغيّر ملامحه من الداخل، وتضعه كل يوم أمام معنى جديد للفقد، والوحدة، والذاكرة، والتحولات التي لا تمر من دون أثر.

 

من هنا يمكن قراءة تطوره بوصفه انتقالًا حقيقيًا من الرومانسية إلى الوجع الاجتماعي، لا بمعنى التخلي عن العاطفة، بل بمعنى إنضاجها وتحريرها من ضيق التجربة الفردية. لقد ظل وفيًا لجوهره الإنساني، لكنه وسّع دائرته. ظل يكتب القلب، لكن قلبه لم يعد قلب عاشق فقط، بل قلب إنسان يرى ما يدور حوله، ويتأثر به، ويعيد تأمله في شكل حكايات تعرف كيف تمس الفردي والجماعي في آن واحد.

 

وهذا التحول لم يظهر في الموضوعات وحدها، بل في النبرة والبناء أيضًا. هناك شيء في كتابته صار أكثر هدوءًا، وأكثر ثقة، وأكثر قدرة على التقاط اللحظة الكاشفة بدل الاتكاء على الامتداد الطويل. كأن الكاتب مع الزمن صار أقل رغبة في شرح الألم، وأكثر ميلًا إلى الإمساك به في لقطة واحدة، أو في مشهد عابر، أو في جملة هادئة تترك أثرها من دون ضجيج. وهذه علامة نضج لا تخطئها العين؛ لأن الكاتب حين يشتد عوده فنيًا لا يرفع صوته، بل يزداد تحكمًا في الهمسة.

 

وحين نصل إلى دموع الورد، نشعر أننا أمام ثمرة هذا المسار كله. ليس لأن العنوان وحده جميل وموحٍ، بل لأنه يلخص، في صورته المركبة، جوهر عالمه: الرقة وهي تمر من بوابة الخسارة، والجمال وهو يحمل ظل الحزن، والوجدان وهو يواجه الحياة من غير أن يفقد حساسيته. هنا لا تصبح الدموع علامة انكسار فقط، ولا الورد مجرد استعارة للنعومة، بل يصبح الاثنان معًا لغة واحدة لكتابة ما يعجز الكلام المباشر عن قوله. كأن الكاتب، بعد رحلة طويلة، صار أكثر قدرة على أن يجعل الحزن نفسه مادة للجمال، وأن يحول الوجع إلى نص لا يثقل على القارئ، بل يلامس فيه شيئًا قديمًا وحقيقيًا.

 

ما يلفتني في تجربة حسام أبو العلا أيضًا أن كتابته لا تبدو مصنوعة من فراغ، ولا من خيال منفصل عن العالم، بل من تماس حي مع البشر والحياة. هناك دائمًا شعور بأن هذه النصوص خرجت من قلب يعرف الناس، ويعرف تعبهم، ويعرف هشاشتهم، ويحترمها. ولهذا تأتي كتابته قريبة من القارئ من دون ابتذال، ومؤثرة من دون استدرار، وإنسانية من دون ادعاء. وهذا توازن صعب لا يبلغه إلا من يكتب وفي داخله قدر حقيقي من الصدق.

 

إن بعض الكتّاب يملكون اللغة، وبعضهم يملكون الفكرة، وبعضهم يملكون القدرة على بناء الحكاية. أما الكاتب الذي يبقى، فهو من يملك قلبًا أدبيًا يعرف كيف يرى الإنسان في لحظاته الخافتة، لا في لحظاته الصاخبة فقط. وحسام أبو العلا، في تقديري، من هذا النوع. كاتب لا يلاحق الضجيج، بل يذهب إلى الأثر. لا يكتب الألم ليتزين به، بل يكتبه لأنه يعرف أن في داخل كل إنسان قصة لم تكتمل، وجرحًا لم يُروَ كاملًا، وخوفًا لا يعرف له اسمًا.

 

ولهذا فإن قراءة مساره من قلب مهزوم إلى دموع الورد لا تكشف فقط عن تطور في الأدوات أو في الموضوعات، بل تكشف عن نضج روح كتبت أولًا من منطقة الإحساس، ثم مضت لتكتب من منطقة الفهم. بدأت من القلب، نعم، لكنها لم تتوقف عنده؛ بل جعلته يعبر إلى الحياة بكل ما فيها من وجع، وحنين، وخسارة، وإنسانية لا تنطفئ.

 

وهنا، بالضبط، تكمن قيمة هذه التجربة وجمالها. إنها كتابة لا تتخلى عن دفئها وهي تنضج، ولا تفقد رقتها وهي تتسع، ولا تساوم على إنسانيتها وهي تقترب من قسوة العالم. لذلك تبدو تجربة حسام أبو العلا جديرة بالاحتفاء، لا لأنها فقط تملك عاطفة صادقة، بل لأنها استطاعت أن تحول هذه العاطفة إلى مشروع سردي يرى الإنسان بعمق، ويمنحه في الأدب ما حرمته الحياة منه كثيرًا: الفهم، والإنصات، والرحمة.

 

هذا كاتب لم يكتفِ بأن يروي الحكاية، بل عرف كيف يتركها تنبض في الروح بعد أن تنتهي.