محاكمة ضمير.. قصة رمزية لصابر الجنزوري عن التوبة والبراءة
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
في هذه القصة من كتابه «آدم في العالم الموازي»، يفتح الناقد والكاتب صابر الجنزوري باباً واسعاً أمام سؤال لا يشيخ: ماذا لو وقف الإنسان أمام ضميره وجهاً لوجه؟
بعين رمزية شديدة الوعي، يأخذنا النص إلى عالم تتوقف فيه المدن، وتُدق فيه الأجراس، وتتحول المحاكمة من قاعة قانون إلى ساحة داخلية كبرى، حيث لا قاضٍ سوى الضمير، ولا شهود سوى الأفعال.
إنها قصة عن التوبة حين تصبح فعلاً، وعن البراءة التي لا تُمنح بالكلمات، بل تُستعاد بالصدق والرحمة والرجوع إلى الله.
محاكمة ضمير
نادى المنادي في أرض المحروسة:
يا أهل المحروسة، اجتمع أهل الحل والربط، والقضاء، وأهل الحكم والمشورة، وأهل الحكمة والفكر والدين من الشيوخ والرهبان، وأصدروا البيان الآتي: إن ما يحدث في بلادنا ليس إلا غضباً من الله، وعلينا جميعاً أن نعود إليه ونتوب. وليست التوبة كلمات فقط، بل أفعال.
عسى الله أن يرضى عن البلاد والعباد ولن يكون ذلك إلا إذا حاكم الشعب نفسه، فيخرج البريء، ويحاكم المدان.
حاكموا أنفسكم ليغفر الله لكم ويرفع عنا البلاء. فعلى كل من بلغ سن الرشد من الرجال والنساء أن يتقدم لمحاكمة نفسه.
ظن الناس أن المنادي مجنون أو من المجاذيب الذين يطوفون بالطرقات ويصيحون بكلمات الوعيد والإنذار. تعجبوا وسخروا واستنكروا وضحكوا، وهرعوا إلى أجهزة التلفاز والمذياع وأجهزة الحاسوب ومواقع شبكات التواصل الاجتماعي، حتى أجهزة هواتفهم المحمولة كانت تتلقى النداء عبر الرسائل، ليعرفوا أن الأمر جد وليس هزلاً.
بدأوا في الانتقال إلى مرحلة التصديق بعد السخرية والاستهزاء، وبات السؤال: كيف؟ ظلوا في دهشة، يضحكون ويتعجبون ويتبادلون النكات والقفشات.
كان أهل الرأي والحكم والحكمة والقضاء والشيوخ والرهبان والعلماء والمفكرين قد اجتمعوا بعد أن عمّ البلاد الذعر والخوف، وسيطر الفساد وساد الكسل، وتفشى الغلاء، وتوقف حال الناس. صار الهرج والمرج في كل مكان، وبعد مشاورات ومداولات اتفقوا وأصدروا البيان...
لابد من المحاكمات.
وضع العلماء برنامج المحاكمات...
لن يوجد قضاة لأنهم أيضاً سيحاكمون
(الضمير هو القاضي).
توالت الأخبار تباعاً، وبدأت البرامج والصحف وكل وسائل التواصل تثير البرنامج وكيفية المحاكمات، حتى تهيأ الناس للأمر وانتقلوا لمرحلة الاستعداد. الكل يريد أن يتطهر ويحاكم نفسه. انتهت فترة الإعداد وتنظيم المحاكمات، وكان البرنامج المعد للمحاكمة...
كل واحد يختار لنفسه ما يناسبه من نظام. سوف يمر الجميع على جهاز مانع للكذب، ثم يأخذ رقماً ودوراً للمحاكمة.
من يجيد استخدام الحاسوب سيدخل على الموقع الذي به البرنامج ويسجل اسمه وبياناته، ثم يبدأ الإجابة على الأسئلة. وبعد أن ينتهي، سيعرف الحكم وفقاً لإجاباته، ثم يأخذ النتيجة ويتوجه إلى ساحة البراءة أو ساحة الإدانة.
ومن لا يعرف استخدام الحاسوب ويجيد القراءة والكتابة عليه أن يأخذ الاستمارات ويجيب على الأسئلة، كل حسب رقمه ودوره، وبعد أن ينتهي يتوجه إلى جهاز الحاسوب الذي في شارعه ليعرف النتيجة، ليتوجه بعدها إلى مصيره الذي كتب له. وهكذا أعد لكل فئة برنامجها الذي يتناسب معها، بمن فيهم الذين لا يبصرون أو لا يسمعون.
تم الانتهاء من تنظيم المحاكمات ومواعيدها وإجراءات سيرها وأماكنها، وأخذت كل الاحتياطات لردود الأفعال التي قد تصدر من الناس في حالة الإدانة أو البراءة.
وفي اليوم السابق للمحاكمات، دقت أجراس الكنائس، وارتفع صوت الأذان من المآذن، وامتلأت ساحات العبادة، ومكث الناس طوال اليوم والليل في دور العبادة والساحات التي خصصت للصلاة والمحاكمات.
وبدأت المحاكمة.
كانت أسئلة البرنامج: "ألم تكذب؟ ألم تسرق؟ ألم تقتل؟ ألم ترتش؟ ألم تكره؟ ألم تحسد؟ ألم تحقد؟ ألم تغتب؟ ألم تشهد زوراً؟ ألم ترتكب فاحشة أو إثماً أو بهتاناً؟ ألم تأكل مال اليتيم؟ ألم تتاجر بدينك وتتنمر بين الناس؟ ألم تحقق أمانك وأمان أهلك دون وطنك؟ ألم تسع فساداً في الأرض؟!"
انتهت المحاكمات.
لم يتوجه أحد إلى ساحة البراءة.
الجميع توجهوا إلى ساحة الإدانة!
تناقلت وكالات الأنباء وكل مواقع التواصل في الدنيا الخبر، وأخذت المحاكمات اسماً تصدر كل الأخبار وكل المواقع وكل الفضائيات:
"محاكمة الضمير".
ظلت ساحة البراءة فارغة بينما امتلأت ساحة الإدانة واكتظت بالناس. انهمرت الدموع حتى كادت أن تكون نهراً تحت الأقدام، حيث كان السؤال: هل نقتل أنفسنا أم ننتظر حكم السماء؟ كل المدن أصبحت خالية من الناس عدا الأطفال والصبية.
شيء غريب كان يحدث في المدينة الخالية، التي على مقربة من الساحتين.
طفلة صغيرة تتوجه إلى هناك بثبات وبطاقة حب، تمضي في طريقها حتى لاحظها بعض الأفراد المكلفين بالحفاظ على الأمن والنظام، والذين تم استدعاؤهم من بلاد أخرى.
سألوها: إلى أين؟ قالت: "إلى هناك".
لينتشر الخبر وتتابعه كل وسائل الإعلام على الهواء ...
تم متابعة سير الفتاة ملائكية الوجه ...
فعيناها خضراوان وبشرتها صافية بيضاء، ترتدي جلباباً أبيض وطرحة شفافة بيضاء تكشف تحتها خصلات شعر أصفر في لون سنابل القمح في موسم الحصاد.
في طريقها تمضي، لا تأبه لأحد، ولا يشغلها غير التمتمات والأدعية التي تتحرك بها شفتاها، ولا أحد يسمعها، ولا أحد يعرف ماذا تقول.
وصل موكبها إلى هناك. توجهت إلى ساحة الإدانة، ووقفت أمام سورها. ابتسمت، ثم بكت، وابتسمت من جديد.
أيقن الناس أن هذه الطفلة هي مبعوث العناية الإلهية، وفي يدها الخلاص، وأنها مرسلة من الله إليهم. هم ينتظرون المعجزة!
حلّ الصمت ضيفاً ثقيلاً على الساحتين، واختلط بجلال المشهد والهيبة والترقب. كل أبواب ساحة البراءة مفتوحة.
دخلت من البوابة الكبيرة التي تتوسط الأسوار، وجلست على الأرض في وقار وهيبة وخشوع. هزّ صوتها السكون، من القرآن والإنجيل والمزامير، تتلو وتترنم بآيات التوبة والغفران، بينما الجميع في ساحة الإدانة يبكي ويبتهل ويتضرع بالدعاء.
كانت "ابتهال" في ساحة البراءة، والعالم يشاهد ما يحدث، ووكالات الأنباء تنقل المشهد المهيب.
ارتفع صوت "ابتهال" بقوة: "يارب"!
ليرتفع معه صوت البكاء، وتتساقط الدموع. تمضي الظهيرة بسلام، ويقبل الأصيل دون استئذان، لكن الشمس تأبى الغروب.
تغطّت السماء بسحابة بيضاء، ونسمة هواء حملت معها رائحة مسك سرعان ما انتشرت في الساحات. يرتفع الصوت بالدعاء، ويتوحد الجميع في كورال قوي:
- "يا رب ... يارب" يتساقط المطر خفيفاً في صورة رذاذ...
تخرج "ابتهال" متوجهة إلى أسوار الإدانة، ثمة قوس قزح يلون السماء، وجلت القلوب، خفتت الأصوات، انهمر الغيث، بلل المطر شعرها الذهبي، وتساقط على وجهها الأبيض ...
حرك صوتها الملائكي السكون، صاحت: "يارب"...
برقت السماء ورعدت. انفتحت السحابات السوداء، هبطت على الأرض أسراب الحمام. أشارت إليهم ...
قالت: إنها البشرى
الآن عفا الله عنكم...
هلموا إلى ساحة البراءة.
خرجوا إليها ليحملوها فوق الأعناق... هبطت سحابة بيضاء حملتها وصعدت بها إلى السماء.
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly5242 المقالات
منشورات شائعة
-
مونتريال تستضيف لقاءً تحض...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
-
الكبد والحمل.. لماذا تحذّ...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
-
أكتوبر الوردي: 89 امرأة ت...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
-
أمير المصري يقود تحكيم ال...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!