أعمدة الإضاءة لأميمة عبدالعزيز.. حين يعبر الحب حدود المألوف
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
قصة قصيرة بقلم الأديبة أميمة عبدالعزيز
من المجموعة القصصية "خارج نطاق الزمن"
في «أعمدة الإضاءة»، تفتح أميمة عبدالعزيز بابًا إلى عالم تتقاطع فيه الفانتازيا مع أكثر المشاعر الإنسانية بساطة وعمقًا. تبدأ الحكاية برحلة إلى الإسكندرية وظهور مخلوقات غامضة تثير الخوف والدهشة، قبل أن تقودنا إلى علاقة غير مألوفة بين «سمر» و«روميو»، حيث يصبح الاهتمام والونس لغة لا تحتاج إلى كلمات.
وفيما يلي ننشر القصة كما وردت في المجموعة القصصية " خارج نطاق الزمن":
أعمدة الإضاءة
ما زال الطريق طويلًا، مللت طول المسافة، قطعت الثلث تقريبًا، كلما رأيت أعمدة الإضاءة تجري بجواري، أحاول إحصاءها رغمًا عني، اليوم لن أفعل أريد فقط الوصول إلى الإسكندرية، لن أفعل.
واحد، اثنان، ثلاثة......
ما هذا الصوت؟ أخيرًا وصلنا، كيف لم أشعر بالوقت!
- إذا سمحتم الترجل سريعًا.. هناك حالة طارئة ويجب ترك القطار.
أصوات هرج ومرج وضوضاء عالية تصدر من مقدمة القطار أسكتت اللغو.
الجميع يسارعون بالخروج هربًا من هذا الضجيج المجهول المصدر.
خرجنا جميعًا تجاه بوابة المحطة، توقف الجميع فزعًا عندما رأينا مخلوقات يتعدى طولها الثلاثة أمتار يأتون من ناحية اليسار، كل منهم يرتدي خوذة كعمال المناجم.
يخرجون من بوابة عملاقة في الأرض، وبين الحين والآخر يصدرون هذه الضوضاء المخيفة، يسيرون تجاه البوابة الخارجية، ولا يعيروننا اهتمامًا، يبدو أنهم حضروا لشيء ما وسيعودون أدراجهم، أو هكذا تمنى الجميع.
خرجنا من بوابة صغيرة لم يلتفتوا لها، انتابني الفضول، إلى أين يذهبون! وهل يسكنون باطن الأرض! تتبعتهم بحذر، ارتطمت حقيبتي بالسور الحديدي، توقفوا جميعًا، نظروا تجاهي فغيرت وجهتي وكأني أتجه للترام.
ثم عدت لمتابعتهم حتى وصلوا إلى الكورنيش وكانت السيارات تسير بطيئًا نتيجة الازدحام، وقفوا خلف السيارات وعيونهم مثبتة على الضوء الأحمر، وكأنه شل حركتهم.
فزع الناس وانطلقوا بسياراتهم فور إضاءة الضوء الأخضر، تابعوا سيرهم وسط صراخ من يراهم حتى خلا الكورنيش من المارة تمامًا إلا من بعض الشباب والشرطة.
حاول رجال الشرطة التفاهم معهم، ولكن بدون أدنى استجابة، أرهق الجميع، وبدأ الشباب يعودون إلى ديارهم، خاصة حين تأكدوا أنها كائنات مسالمة.
ومرت عدة أيام وهم يتجولون في الشوارع، اعتاد السكان عليهم واعتادوا على أصواتهم العالية، البعض صادقهم وأخذ الأولاد يتسلقونهم والبعض الآخر تعامل معهم بشراسة، فكانوا يدافعون عن أنفسهم حتى يتوقف الاعتداء.
أما أنا فقد كنت في عالم آخر، لم أفزع منهم على العكس، كنت أشعر بأن هناك صلة بيني وبينهم، كأنني أنتمي إليهم، لولا مظهري، عيناي الغائرتان وشعري المموج الأسود، حتى قصر قامتي، كلها أشياء تدل على اختلافاتنا، ربما هم ما زالوا في مرحلة الشباب مثلي.
شرفتي تطل على الكورنيش، كل صباح أفتح النافذة، أجد يدًا تمتد بمجموعة من الزهور وابتسامة بريئة تتوارى خلفها.
إنه أحدهم، يقف باقي اليوم أمام الشرفة يتطلع إليّ كلما اقتربت، فيبتسم في صمت، أسميته روميو، كنت أجلس في شرفتي ليلًا أطيل النظر إليه، وفي بعض الأحيان كان يقترب، يمد يده، أمد يدي، أتحسس يده فيغمض عينيه قليلًا، ثم يترك يدي ويعود خطوتين إلى الوراء ليقف في مواجهتي مرة أخرى.
أستيقظ باكرًا لأراه، لم أر نظرة في مثل نظراته الحانية، قلب طاهر، ولكن ما هذا الهراء، هل أحببت كائنًا لا أعلم من أين جاء! كيف حدث ذلك!
إنها العلاقة الأزلية بين الحب والمنطق، هل ينتحر المنطق حين يدق الحب أجراس الأبواب، إنه الجنون بعينه، ماذا أفعل؟ أغادر الإسكندرية! أرحل من هنا، أكره السفر الطويل، وأعمدة الإضاءة على الطريق.
- روميو! هل تفهمني؟
أومأ روميو برأسه..
هل تستطيع الكلام مثلي أو الكتابة بأي لغة..
هز رأسه من اليمين إلى اليسار ونظر في أسى..
لا عليك، لا تحزن المهم أنك تفهمني. سأتحدث إليك كل يوم فأنا لا أتحدث سوى إلى نفسي، اسمي (سمر) أحب الحياة والحرية، لا أعلم عنك شيئًا، ولكن ما يهمني وجودك واهتمامك بي.
اعتادت (سمر) التحدث مع (روميو) كل يوم، وهو يستمع إليها باهتمام، يبكي إذا بكت ويفرح ويبتسم لفرحها.
استيقظت (سمر) على أصوات الرعد وضوء البرق، بدأت الأمطار تسقط بغزارة، أسرعت بإحضار غطاء، فتحت الشرفة، لم تجده، أخذت تنادي بصوت عالٍ:
(روميو).. (روميو).
لم يسمعها ولم يأتِ، وفي الصباح أسرعت إلى الشرفة مرة أخرى، اختفى (روميو)، اختفى معه الأنيس والرفيق، بكت كثيرًا، انتظرته عدة أيام، حتى وصلها خبر اختفائهم جميعًا وإغلاق البوابة العملاقة.
لا يعلم أحد لماذا حضروا ولماذا اختفوا.. ساد بكاء الأطفال، وجوم الوجوه، الجميع يفتقدون لطفهم وقلوبهم الصافية النقية.
لم تحتمل سمر الإسكندرية بدون (روميو)، غادرتها مع أول قطار ونظرت إلى أعمدة الإضاءة نظرة أخرى، (روميو) كان بنفس هذا الطول، والمصباح في مقدمة الخوذة يشبه هذا، أخذت تنظر وتردد بصوت خفيض:
(روميو).. (روميو)..
ثم انتفضت على توقف القطار.. وسمعت صوتًا ينادي لقد وصل القطار إلى محطة سيدي جابر.
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly5411 المقالات
منشورات شائعة
-
هل يساعد البصل في مقاومة...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 13, 2026
-
من غزة إلى مانيلا وبوينس...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 13, 2026
-
عندما تتصل الثلاجة بالإنت...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 13, 2026
-
لدينا مئات الأصدقاء.. فلم...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 13, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!