ليس كل عيد أم سعيدًا: أمهات لا ينتظرن الهدايا بل سؤالًا واحدًا
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
في كل عيد أم، تمتلئ الشاشات بالورود، والصور، والرسائل الناعمة، وكلمات الحب التي تبدو كأنها تكفي لتعويض عام كامل من الغياب. نرى أبناء يكتبون: «أمي جنتي»، و«أمي سر حياتي»، و«كل عام وأنتِ بخير»، ثم ينتهي اليوم، وتعود بعض الأمهات إلى الصمت نفسه، والهاتف نفسه، والانتظار نفسه.
ليست كل أم موجوعة تريد هدية.
بعض الأمهات لا يطلبن أكثر من رسالة قصيرة تقول: «كيف حالك؟»
لا ينتظرن عطرًا، ولا باقة ورد، ولا صورة منشورة أمام الناس. ينتظرن صوتًا حقيقيًا، سؤالًا صادقًا، لحظة يشعرن فيها أن سنوات التعب لم تتحول إلى ذكرى قديمة في حياة أبنائهن.
هذا ليس حديثًا عن الأبناء العاقين فقط، ولا دعوة لمحاكمة جيل كامل. الحياة صعبة على الجميع. الأبناء يكبرون، يعملون، يتزوجون، يهاجرون، ينشغلون، ويتعبون نفسيًا وماديًا. لكن وسط هذا كله، توجد حقيقة لا يجب أن نخجل من قولها: هناك أمهات كثيرات يشعرن اليوم بأنهن أُخرجن بهدوء من مركز حياة أبنائهن، وكأن دورهن انتهى حين كبر الأطفال ووقفوا على أقدامهم.
الأم لا تتألم دائمًا لأنها تريد أن تملك أبناءها.
تتألم لأنها لا تفهم كيف تحولت من أول رقم يتصلون به عند الخوف، إلى آخر شخص يتذكرونه عند الفراغ.
كيف كانت هي البيت، ثم أصبحت زيارة مؤجلة.
كيف كانت تسأل عن الطعام، والدواء، والدراسة، والنوم، ثم أصبح سؤالها هي ثقيلًا أو متكررًا أو «دراميًا».
ومع ذلك، لا أحد يرى هذه الأم حين تغلق الهاتف وتقول: «الحمد لله، المهم يكونوا بخير»، بينما في داخلها جملة أخرى لا تقولها: «بس يا ريتهم يسألوا عليّ شوية».
في الأيام المحيطة بعيد الأم، تتكرر عالميًا نقاشات صعبة عن العلاقات المتوترة بين الأمهات والأبناء، وعن العائلات التي لا يكون فيها العيد يومًا بسيطًا أو سعيدًا للجميع. فبعض الناس يعيشون حزن الفقد، وبعضهم يعيش ألم البعد، وبعضهم يعيش علاقة فيها حب وجرح في الوقت نفسه. لذلك لم يعد كافيًا أن نتعامل مع عيد الأم كأنه مناسبة وردية صافية، لأن خلف الصور الجميلة توجد حكايات أكثر تعقيدًا.
الأكثر قسوة أن بعض الأمهات لا يشتكين خوفًا من أن يُتهمن بالضغط أو الابتزاز العاطفي. تخاف الأم أن تقول: «أنا محتاجة لكم»، فيُقال لها: «اتركينا نعيش حياتنا». تخاف أن تعترف بأنها وحيدة، فيُقال لها: «أنتِ حساسة زيادة». تخاف أن تطلب زيارة، فيُفهم طلبها كعبء. لذلك تتعلم الصمت، وتلبس ابتسامة واسعة في الصور، وتقول أمام الناس إن أبناءها مشغولون وناجحون، بينما هي في الحقيقة تحاول أن تقنع قلبها بأن الانشغال ليس نسيانًا.
لكن علينا أيضًا أن نكون منصفين. بعض الأبناء يبتعدون لأن العلاقة كانت مؤلمة فعلًا. بعضهم يحتاج حدودًا نفسية كي يتعافى. ليست كل أم بريئة من كل جرح، وليست كل مسافة قسوة. هناك بيوت تحتاج إلى شفاء، لا إلى شعارات. وهناك أبناء حملوا ألمًا طويلًا لا يراه أحد. لذلك فالمقال ليس دعوة لإجبار الأبناء على علاقات تؤذيهم، بل دعوة إلى الرحمة، والوضوح، والحد الأدنى من الإنسانية.
إذا كانت العلاقة آمنة، فلا تجعل أمك تعيش على فتات المناسبات.
لا تجعل عيد الأم هو اليوم الوحيد الذي تتذكر فيه أنها موجودة.
ولا تجعل الرسالة العلنية على فيسبوك بديلًا عن مكالمة لا يسمعها أحد غيرها.
الأم التي أفنت عمرها لا تحتاج دائمًا إلى كلمات كبيرة. أحيانًا تحتاج إلى عشر دقائق بلا استعجال. إلى زيارة من غير أن تشعر أنها عبء. إلى أن ترى في عينيك أنك لا تزال تراها، لا كوظيفة قديمة في حياتك، بل كإنسانة لها قلب، واحتياج، وخوف، وكرامة.
وفي المقابل، تحتاج بعض الأمهات أن يتعلمن أن الحب لا يعني السيطرة، وأن السؤال لا يجب أن يتحول إلى مطاردة، وأن الأبناء حين يكبرون لا يخرجون من المحبة، لكنهم يخرجون من الطفولة. الأمومة الناضجة لا تكسر الأبواب، لكنها لا تقبل أيضًا أن تعيش مهملة على عتبة البيت.
العلاقة الصحية بين الأم وأبنائها الكبار لا تُبنى بالذنب، بل بالرحمة. لا تقوم على «أنا تعبت من أجلكم»، ولا على «أنتم لا تفعلون شيئًا من أجلي»، بل على مساحة أصدق تقول: أنا أحبكم، وأحتاج أن أشعر أنني ما زلت جزءًا من حياتكم، لا ذكرى جميلة في ألبوم قديم.
في كندا، جاء أسبوع الصحة النفسية هذا العام برسالة تدعو الناس إلى الاقتراب من بعضهم، لا ترك الألم يتراكم في العزلة. كما تذكر الحكومة الكندية بخدمة 9-8-8 لمن يحتاج دعمًا عاجلًا في الأزمات النفسية. هذه الإشارات مهمة، لأن الوحدة داخل العائلة قد تكون أحيانًا أشد وجعًا من الوحدة خارجها.
لن نصلح كل البيوت بمقال. ولن تعود كل العلاقات كما كانت بكلمة مؤثرة. لكن ربما يقرأ ابن هذه السطور فيتذكر أن أمه لا تزال تنتظر صوته. وربما تقرأ أم فتشعر أن وجعها ليس دلعًا ولا ضعفًا، وأن من حقها أن تحتاج إلى الحنان كما كانت تمنحه.
الأم ليست مناسبة سنوية.
وليست صورة قديمة نضع عليها قلبًا أحمر ثم نغلق الهاتف.
الأم إنسانة تكبر، وتتعب، وتخاف، وتشتاق، وتكابر.
فإن كانت أمك في حياتك، وكانت العلاقة بينكما قابلة للدفء، لا تنتظر عيد الأم القادم. اتصل بها اليوم. اسألها سؤالًا بسيطًا. اجلس معها بلا هاتف. قل لها إن وجودها لا يزال مهمًا.
فبعض القلوب لا تحتاج إلى هدية كي تفرح.
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly5234 المقالات
منشورات شائعة
-
أخطر رقم في شراء العقار ل...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
-
«الدكان» يفتح نقاشًا عربي...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
-
قطر تعرض في تورونتو حصيلة...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
-
تقرير يرصد نشاطًا لوكلاء...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!