أولادنا لا يكبرون... هم يتعبون فقط
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
في بيوت كثيرة، هناك شاب لا ينام جيدًا، لكنه يخرج كل صباح وكأنه بخير.
وفي بيوت كثيرة، هناك فتاة تضحك مع أهلها، ترد على الرسائل، تضع صورة جميلة، ثم تغلق الباب وتبكي بصمت لا يسمعه أحد.
نحن نسميهم شبابًا، لكن الحقيقة أنهم يحملون داخلهم خوفًا أكبر من أعمارهم. نخاف عليهم من العالم، لكننا لا ننتبه أحيانًا أننا نحن أيضًا نزيد ثقل العالم فوق صدورهم.
نقول للشاب: كن رجلًا.
ولا نسأله: هل أنت قادر أن تتحمل كل هذا وحدك؟
نقول للفتاة: كوني قوية.
ولا نسألها: كم مرة تظاهرتِ بالقوة كي لا تنهاري أمامنا؟
هذا الجيل لم يعد يعيش شبابه كما عشنا نحن. لم يعد لديه ترف التجربة الهادئة، ولا الخطأ البسيط، ولا البداية البطيئة. كل شيء حوله يطالبه أن ينجح بسرعة، أن يثبت نفسه بسرعة، أن يعرف طريقه بسرعة، أن يحب بلا جرح، أن يعمل بلا تعب، أن يربح بلا خوف، وأن يبدو سعيدًا حتى وهو من الداخل فارغ.
المؤلم أن كثيرًا من الشباب لا يخافون من الفشل فقط، بل يخافون أن يخيبوا أمل أهلهم فيهم. يخافون أن يقولوا: أنا لا أستطيع. أنا تعبت. أنا ضائع. أنا لا أعرف ماذا أريد.
لأنهم يعرفون أن الرد غالبًا لن يكون حضنًا، بل محاضرة.
سيقال لهم: نحن تعبنا أكثر منكم.
سيقال لهم: أنتم عندكم كل شيء.
سيقال لهم: جيلكم حساس.
سيقال لهم: الحياة لا ترحم.
لكن من قال إنهم لا يعرفون أن الحياة لا ترحم؟ هم يعرفون ذلك جيدًا. يعرفونه في أسعار البيوت التي ابتعدت عن أحلامهم. في وظائف لا تعطي أمانًا. في علاقات تبدأ بسرعة وتنتهي ببرود. في مقارنات لا تنتهي على السوشيال ميديا. في غربة تجعل الإنسان محاطًا بالناس، لكنه وحيد في داخله.
هناك شاب يريد الزواج، لكنه لا يملك ثمن البداية. وهناك فتاة تريد الحب، لكنها تخاف أن تُستغل أو تُكسر. هناك من درس سنوات ثم وجد نفسه في عمل لا يشبه حلمه. وهناك من هاجر وهو يظن أن الغربة ستفتح له الباب، فاكتشف أن الباب يحتاج لغة، وصبرًا، ومالًا، وقلبًا لا ينهار.
أصعب ما يعيشه هذا الجيل أنه مطالب أن يكون ناجحًا ومتماسكًا ومؤدبًا ومتفائلًا في وقت واحد. لا يُسمح له أن يتعب إلا قليلًا. لا يُسمح له أن يحزن طويلًا. لا يُسمح له أن يتأخر، ولا أن يتخبط، ولا أن يقول إن الطريق لم يعد واضحًا.
حتى الحب أصبح مرهقًا.
الشاب لا يعرف هل يقترب أم يهرب.
والفتاة لا تعرف هل تصدق أم تحمي نفسها.
كل واحد يدخل العلاقة وهو يحمل خوفه القديم، ثم يطلب من الآخر أن يكون الدواء. وحين يفشل الحب، لا ينكسر قلب فقط، بل ينكسر الإحساس بالأمان.
نحن نحتاج أن نكف عن سؤال الشباب: ماذا أنجزتم؟
ونسألهم مرة واحدة بصدق: ماذا يؤلمكم؟
نحتاج أن نقول للشاب إن الرجولة ليست أن تختنق بصمت. الرجولة أن تعرف متى تطلب المساعدة، ومتى تعترف أنك بشر، ومتى تقول: أنا لست بخير.
ونحتاج أن نقول للفتاة إن القوة ليست أن تتحمل كل شيء وحدها. القوة أن تختار نفسها، أن ترفض علاقة تؤذيها، أن ترتاح من دور البطلة التي تنقذ الجميع ولا ينقذها أحد.
أولادنا لا يحتاجون منا إلى ضغط جديد. العالم يضغطهم بما يكفي. يحتاجون بيتًا لا يخافون أن يعودوا إليه وهم فاشلون. يحتاجون أهلًا لا يحبونهم فقط عندما ينجحون. يحتاجون أن يعرفوا أن قيمتهم لا تسقط إذا تعثروا، وأن مستقبلهم لا ينتهي إذا تأخروا، وأن الطريق الطويل لا يعني أنهم ضاعوا.
هناك شباب يبتسمون فقط كي لا يقلق أحد عليهم.
وهناك شابات يبدون قويات لأن البكاء لم يعد يغير شيئًا.
وهناك قلوب صغيرة في العمر، لكنها شاخت من كثرة الخوف.
فلنرحمهم قليلًا.
لا نطلب منهم أن يكونوا نسخة من أحلامنا القديمة. لا نحاسبهم لأنهم لم يعيشوا الحياة كما تخيلناها لهم. لا نكسرهم باسم النصيحة. لا نستهين بتعبهم لأننا تعبنا قبلهم.
كل جيل له معركته. ومعركة هذا الجيل ليست سهلة. معركته أن يبقى إنسانًا وسط عالم يقيسه بالأرقام، والصور، والراتب، والشكل، والإنجاز، وعدد المتابعين، وسرعة الوصول.
ربما أجمل ما يمكن أن نقدمه لهم ليس حلًا جاهزًا، بل أمانًا.
أمان أن يقولوا الحقيقة من غير خوف.
أمان أن يعودوا إلينا وهم منهكون، لا منتصرون فقط.
أمان أن يسمعوا منا جملة واحدة قد تنقذ قلبًا كاملًا:
أنا شايف تعبك.
أنا مصدق وجعك.
وأنت لست وحدك.
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly5018 المقالات
منشورات شائعة
-
في عام الثقافة قطر–كندا 2...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 19, 2026
-
سحب جبن Yotvata من أسواق...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 20, 2026
-
أونتاريو تحدد وظائف مطلوب...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 19, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!