الوضع المظلم
اسمح لنفسك أن تعيد التفكير

اسمح لنفسك أن تعيد التفكير

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

بقلم: د. إيناس حنا

 

هناك أفكار لا نتذكر متى بدأنا نؤمن بها. كبرنا وهي موجودة حولنا، حتى أصبحت جزءًا من تعريفنا للحياة: كيف يبدو النجاح؟ ما معنى الأمان؟ ما الطريق "الصحيح"؟ وكيف نبني مستقبلًا جيدًا لأنفسنا ولأولادنا؟

 

لسنوات طويلة، بدت الإجابات واضحة: ادرس جيدًا، اختر مهنة محترمة، اعمل بجد، حافظ على وظيفتك، ادخر للمستقبل، لا تخاطر كثيرًا، وإذا وصلت إلى قدر من الاستقرار فتمسك به.

 

ولا أعتقد أن هذه الأفكار كانت خطأ. كثير منها أوصل أجيالًا كاملة إلى أماكن جيدة جدًا. لكن السؤال هو: هل كل فكرة كانت صحيحة لمرحلة معينة يجب أن تظل الإجابة الصحيحة لكل المراحل؟

 

ربما نحتاج إلى التفريق بين تغيير قيمنا وبين تغيير الطريقة التي نحقق بها هذه القيم. نحن لم نتوقف عن احتياجنا إلى الأمان، لكن ربما تغير الطريق المؤدي إليه.

 

في زمن سابق، كان الأمان قد يعني وظيفة مستقرة، ومهنة واحدة تستمر عشرات السنين، ومهارات نتعلمها في شبابنا ثم نعتمد عليها معظم حياتنا المهنية. اليوم يتغير العالم بسرعة أكبر، والتكنولوجيا تعيد تشكيل طرق العمل والتعلم والتواصل، ومهارات كانت كافية بالأمس قد تحتاج إلى تطوير غدًا.

 

ولهذا تتحدث منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD عن التعلم المستمر باعتباره جزءًا أساسيًا من القدرة على التكيف مع الاحتياجات والمهارات المتغيرة. ربما أصبح السؤال ليس فقط: "كيف أحافظ على كل شيء كما هو؟" بل أيضًا: "إذا تغير شيء، هل أعرف كيف أتعلم وأتأقلم وأتحرك من جديد؟"

 

ونحن كمهاجرين نعرف هذه الفكرة جيدًا. عندما ينتقل الإنسان إلى بلد جديد يكتشف أن ما يعرفه لا يكفي وحده. قد تكون شهادتك وخبرتك وذكاؤك موجودة، ومع ذلك عليك أن تتعلم نظامًا جديدًا وثقافة جديدة وطريقة مختلفة للتواصل والعمل.

 

نراقب، نسأل، نتعلم، نخطئ، نعدّل. وبعد فترة تصبح أشياء كانت تبدو غريبة طبيعية. ليس لأننا فقدنا هويتنا، بل لأننا تعلمنا كيف نتكيف دون أن نفقد أنفسنا.

 

فإذا سمحنا لأنفسنا بذلك عندما غيّرنا بلدًا كاملًا، فلماذا يصعب علينا أن نعيد التفكير عندما يتغير العالم من حولنا؟

 

الخبرة تعطينا حكمة، لكنها قد تجعلنا أكثر تمسكًا بما نعرفه. نقول: "أنا أعرف كيف تسير الأمور"، أو "طوال عمرنا نفعلها بهذه الطريقة". لكن المطلوب ليس أن نتبنى كل جديد، بل أن نبقى قابلين للتعلم.

 

في علم النفس يوجد مفهوم "المرونة المعرفية"، أي قدرتنا على تعديل طريقة التفكير أو الاستراتيجية عندما تتغير الظروف أو تظهر معلومات جديدة. وهذا بالنسبة لي تعريف جميل للنضج. فالنضج ليس أن أقول: "لقد عرفت الحياة"، بل: "عرفت الكثير، وما زال هناك الكثير الذي يمكن أن أتعلمه".

 

إعادة التفكير لا تعني أن نركض وراء كل فرصة جديدة، ولا أن نغيّر حياتنا مع كل اتجاه جديد. هناك فرق بين أن تقول: "درست هذا الأمر وفهمته ولا يناسبني"، وبين أن تقول: "لا أعرف عنه شيئًا ولا أريد أن أعرف". الأولى قرار، والثانية إغلاق للباب قبل أن نعرف ماذا يوجد خلفه.

 

وتشير تقارير مستقبل العمل إلى أن الفضول والتعلم المستمر والمرونة والقدرة على التكيف تزداد أهميتها مع تغير طبيعة الوظائف والتكنولوجيا. وهذا لا يعني أن كل فرصة جيدة، بل أن من الحكمة أن نعرف ماذا يحدث في العصر الذي نعيش فيه، ثم نقرر.

 

واليوم أصبح الاستكشاف أسهل. نستطيع أن نحضر محاضرة، نقرأ دراسة، نلتحق بدورة، نستمع إلى خبير، ونكوّن فكرة أولية قبل أن نقرر إن كان المجال يستحق وقتًا إضافيًا. ليس مطلوبًا أن نتبنى كل فكرة، فقط أن نمنح أنفسنا فرصة لفهمها.

 

ربما الأمان الحقيقي اليوم ليس أن نضمن ألا تتغير الحياة، بل أن نثق بأننا لن نضيع إذا تغيرت. إذا تغير عملي أستطيع أن أتعلم. إذا ظهرت تقنية جديدة أستطيع أن أفهمها. وإذا اكتشفت أن فكرة قديمة لم تعد تناسب واقعي، أستطيع أن أراجعها من دون أن أشعر أنني أخون نفسي أو تاريخي.

 

وأفكارنا القديمة لم تكن بالضرورة خاطئة. ربما كانت مناسبة للوقت الذي عرفناها فيه، وربما كان الطريق الذي اخترناه أفضل طريق استطعنا رؤيته بالمعلومات والخبرات التي كانت لدينا وقتها. لكن الوفاء للماضي لا يعني أن نعيش أسرى له.

 

ليس عيبًا أن تقول: "لم أكن أعرف هذا"، وليس ضعفًا أن تقول: "كنت أرى الأمر بطريقة مختلفة، لكنني تعلمت شيئًا جديدًا".

اسمح لنفسك أن تراقب من يعيشون بطريقة مختلفة عنك، لا لتقلدهم، بل لتفهم. اقرأ عن الأشياء التي لم تكن جزءًا من عالمك.

اسأل قبل أن تحكم، وتعلّم قبل أن ترفض.

 

وعندما تسمع عن فكرة جديدة، لا يكن سؤالك الأول: "هل أنا مقتنع بها؟" ربما يكون السؤال الأفضل: "هل أعرف عنها ما يكفي أصلًا لكي أكون رأيًا؟"

ثم احتفظ بما يناسبك واترك ما لا يناسبك. لأن إعادة التفكير لا تعني أن نغيّر كل شيء. أحيانًا نصل إلى النتيجة نفسها، لكن هذه المرة عن وعي لا عن عادة. وأحيانًا نكتشف بابًا لم نكن نراه من قبل.

 

وفي الحالتين نكسب شيئًا مهمًا: أن نصبح أصحاب القرار في أفكارنا، لا مجرد ورثة لها.