الوضع المظلم
بنك الأب والأم.. حين تتحول العقارات في كندا من سوق إلى اختبار عدالة بين الأجيال

بنك الأب والأم.. حين تتحول العقارات في كندا من سوق إلى اختبار عدالة بين الأجيال

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

بقلم: أحمد عكيلة

 

الترند الحقيقي اليوم في ملف العقارات في كندا ليس ارتفاع الأسعار وحده، ولا تراجع الفائدة وحده، ولا حتى النقاش المعتاد بين الشراء والإيجار. الترند الأهم، والأكثر خطورة اجتماعيًا، هو أن البيت لم يعد مشروع فرد أو زوجين، بل صار في حالات كثيرة مشروع عائلة كاملة. حين يصبح دخول السوق العقارية مرهونًا بتوقيع الأب أو الأم على الرهن، فنحن لا نتحدث فقط عن أزمة سكن، بل عن إعادة توزيع للفرص بين من يملك عائلة قادرة على المساعدة ومن لا يملك.

 

بنك كندا قالها بوضوح هذا الشهر: هناك ارتفاع ملحوظ في لجوء المشترين لأول مرة إلى آبائهم وأمهاتهم للمشاركة في توقيع الرهن العقاري، وهذه الظاهرة تصاعدت sharply منذ 2004. السبب ليس غامضًا، فأسعار المنازل ارتفعت خلال العقدين الماضيين أسرع من الدخول، بينما أصبحت قواعد التأهل للرهن أكثر تشددًا. النتيجة أن شريحة متزايدة من الشباب لا تدخل السوق بقدرتها المالية الخاصة، بل بقدرة الأسرة على إسنادها. هنا تتغير قواعد اللعبة كلها. البيت لم يعد مكافأة للعمل والادخار فقط، بل أصبح امتيازًا وراثيًا مقنعًا.

 

هذا التحول، في رأيي، أخطر من رقم السعر نفسه. لأن الأسعار قد ترتفع وتهبط، والفائدة قد تنخفض أو تعود للصعود، لكن عندما يتكرس في وعي الناس أن شراء أول منزل يحتاج إلى “بنك الأب والأم”، فنحن نؤسس لسوق تعيد إنتاج التفاوت جيلاً بعد جيل. الشاب الذي يملك شبكة أمان عائلية يستطيع أن يشتري أبكر، وأن يشتري أغلى، وأن يبني ثروة أسرع. والشاب الذي لا يملك هذا السند يبقى خارج اللعبة أو يدخلها متأخرًا جدًا، حتى لو كان مجتهدًا ويعمل بدخل معقول. هذه ليست فقط مشكلة عقارية، بل مشكلة عدالة اجتماعية.

 

قد يقول قائل إن السوق بدأت تهدأ وإن الصورة ليست سوداء بالكامل. وهذا صحيح جزئيًا. هيئة CREA تتوقع أن يبلغ متوسط سعر المنزل على المستوى الوطني في 2026 نحو 688,955 دولارًا كنديًا، بزيادة سنوية محدودة عند 1.5% فقط، مع شبه جمود في النمو السعري في أونتاريو وبريتيش كولومبيا وألبرتا. كما أن CMHC تقول إن 2025 شهد أول انفراجة ذات معنى في سوق الإيجارات، مع ارتفاع معدلات الشغور وتباطؤ نمو الإيجارات. لكن هذا “التحسن” لا يعني أن السوق أصبحت ميسورة، بل فقط أنها انتقلت من الاختناق الحاد إلى الضغط المرتفع.

 

بل إن بيانات CMHC نفسها تكشف تناقضًا مهمًا: معدلات الشغور في الشقق المؤجرة ارتفعت عبر المراكز الحضرية الكبرى في 2025، ووصلت في تورونتو إلى 3% لأول مرة منذ الجائحة، وفي فانكوفر إلى 3.7%، وهو أعلى مستوى هناك منذ 1988. ومع ذلك، ما زالت المؤسسة نفسها تقول إن affordability remains tight. بمعنى أوضح: السوق أصبحت أقل توترًا، لكنها لم تصبح عادلة. هناك فرق كبير بين “تحسن المؤشرات” و”قدرة الناس فعلًا على التنفس”.

 

ثم تأتي موجة تجديد الرهون لتضيف طبقة جديدة من القلق. تحليل بنك كندا يشير إلى أن نحو 60% من أصحاب الرهون الذين يجددون في 2025 و2026 سيتعرضون لزيادة في الدفعات، وأن متوسط الزيادة قد يبلغ 6% لمن يجددون في 2026 مقارنة بديسمبر 2024، بينما قد يواجه أصحاب الرهن الثابت لخمس سنوات زيادة تقارب 20% في المتوسط. هذا يعني أن حتى من نجحوا بالفعل في عبور باب التملك لن يكونوا جميعًا في أمان. بعضهم سيدخل مرحلة دفاع مالي قاسية فقط ليحافظ على البيت الذي اشتراه.

 

الأخطر أن السوق ما زالت تعاني من مشكلة في الإمداد الفعلي أيضًا. ففي مارس 2026، انخفضت بدايات بناء المساكن في كندا بنسبة 6% إلى معدل سنوي معدل موسميًا بلغ 235,852 وحدة، بعدما كانت 250,961 في فبراير، في رقم جاء أسوأ من توقعات الاقتصاديين. هذا يعني أن البلد لا يواجه فقط مشكلة في القدرة على الدفع، بل ما زال يواجه أيضًا مشكلة في سرعة إضافة المعروض بالمستوى المطلوب. ومن دون بناء أسرع وأكثر ذكاءً، سنبقى ندور في الحلقة نفسها: تهدئة مؤقتة في الأسعار أو الإيجارات، ثم عودة الضغوط من جديد.

 

لذلك أرى أن النقاش العقاري في كندا يحتاج إلى تغيير جذري في اللغة. لسنا أمام “سوق صعبة” فحسب، ولسنا أمام “مرحلة انتظار حتى تنخفض الفائدة”. نحن أمام مشهد يقول إن السكن يتحول تدريجيًا من حق اقتصادي يمكن بلوغه بالعمل، إلى أصل مالي يحتاج في كثير من الحالات إلى دعم عائلي سابق أو ثروة متراكمة سلفًا. وإذا استمر هذا الاتجاه، فسيكبر جيل كامل وهو مقتنع بأن العقار ليس بابًا للاستقرار، بل امتحان مبكر للمكانة الطبقية.

 

لهذا السبب، فإن الحديث عن العقارات يجب ألا يبقى أسير سعر الفائدة ومتوسط السعر الشهري فقط. الأسئلة الأهم هي: من يستطيع الدخول أصلًا؟ من يحتاج إلى العائلة كي يعبر؟ ومن يُترك خارج السوق حتى لو فعل كل شيء “صح”؟ في رأيي، الترند الحقيقي في العقارات اليوم هو تآكل مبدأ تكافؤ الفرص. وهذه ليست قصة أبراج وخرائط وأسعار فقط، بل قصة مجتمع يُعاد فرزه بهدوء، عقدًا بعد عقد.