الوضع المظلم
الرجل الذي لا يعرف ماذا يفعل بألمه

الرجل الذي لا يعرف ماذا يفعل بألمه

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

بقلم: د. عبير القاضي

 

هناك رجال كثيرون لا تنقصهم القوة، بل تنقصهم اللغة.
لغة يقولون بها: أنا موجوع. أنا خائف. أنا مرتبك. أنا أشعر أنني لا أُرى. أنا أحتاج أن يحتضنني أحد دون أن يسخر مني.

منذ الصغر، يتعلم الرجل في مجتمعات كثيرة أن يكون صلبًا قبل أن يكون صادقًا. يسمع كلمات تبدو عادية، لكنها تتحول مع الوقت إلى قانون داخلي: لا تبكِ. لا تشتكِ. لا تظهر ضعفك. كن رجلًا. تحمل. اصمت. تصرف. احمِ. أنفق. اربح. لا تنهار.

 

وهكذا يكبر بعض الرجال وهم يعرفون كيف يعملون، كيف يدافعون، كيف يواجهون، كيف يحمون، لكنهم لا يعرفون كيف يحزنون بطريقة صحية. لا يعرفون كيف يعتذرون دون أن يشعروا بالإهانة. لا يعرفون كيف يطلبون الحب دون أن يبدوا محتاجين. لا يعرفون كيف يقولون: أنا أتألم.

 

وهنا تبدأ الأزمة الحقيقية.

لأن الألم الذي لا يجد لغة، يبحث عن قناع.
أحيانًا يلبس قناع الغضب.
وأحيانًا يلبس قناع البرود.
وأحيانًا يلبس قناع السيطرة.
وأحيانًا يختبئ خلف العمل، الهاتف، الصمت، السخرية، أو الانسحاب.

 

فنرى رجلًا عصبيًا، ولا نرى خوفه.
نرى رجلًا صامتًا، ولا نرى عجزه عن الكلام.
نرى رجلًا ينتقد كثيرًا، ولا نرى شعوره الداخلي بأنه غير كافٍ.
نرى رجلًا يهرب من الحوار، ولا نرى أنه لا يملك أدواته أصلًا.

 

هذا لا يبرر القسوة. ولا يخفف مسؤولية الرجل عن أفعاله. فمن يؤذي غيره يجب أن يتوقف، ومن يجرح من يحبهم يجب أن يتعلم أن يتحمل مسؤولية جرحه. لكن الفهم مهم، لأننا لا نعالج الإنسان من سطحه فقط. نحن نحتاج أن نسأل: ما الألم الذي لم يجد طريقًا صحيًا للخروج حتى تحول إلى سلوك يؤذي صاحبه ومن حوله؟

 

أحد أكثر الأخطاء شيوعًا أننا نربّي الرجل على أن قيمته في وظيفته، ماله، قدرته، نجاحه، قوته، وهدوئه الظاهري. لكننا ننسى أن نسأله: هل أنت بخير من الداخل؟ هل تعرف ماذا تفعل حين تخاف؟ هل تعرف كيف تتعامل مع الرفض؟ هل تعرف كيف تحزن؟ هل تعرف كيف تطلب المساندة دون أن تشعر أنك فقدت رجولتك؟

 

الرجل لا يحتاج إلى أن يكون طفلًا مدللًا، ولا يحتاج إلى إعفاء من المسؤولية. لكنه يحتاج إلى أن يُسمح له بأن يكون إنسانًا. والإنسان يتعب، يخاف، يغار، يضعف، يخطئ، يحتاج، ويطلب الطمأنينة.

الرجولة الناضجة ليست أن تخفي كل هذا.
الرجولة الناضجة أن تعرفه، تفهمه، وتختار ألا تجعله يؤذي غيرك.

 

في العلاقات، تظهر هذه الأزمة بوضوح. رجل يحب زوجته، لكنه لا يعرف كيف يقول لها إنه يحتاج قربها. فيتحول الاحتياج إلى نقد. رجل يخاف أن يفقد احترام أبنائه، فيتحول خوفه إلى أوامر قاسية. رجل يشعر أنه غير مقدر، فيختار الصمت الطويل بدل أن يقول: أنا أحتاج أن أشعر أن تعبي مرئي. رجل يشعر بالخذلان، لكنه بدل أن يحزن، يغضب.

 

ومع الوقت، لا تعود المشكلة في الحب نفسه، بل في طريقة التعبير عنه. قد يكون الرجل محبًا، لكنه غير آمن عاطفيًا. يريد أن يبقى قريبًا، لكنه لا يعرف كيف يقترب دون أن يسيطر. يريد أن يُفهم، لكنه لا يشرح. يريد التقدير، لكنه يطلبه بطريقة جارحة. يريد الحنان، لكنه يخاف أن يطلبه فيبدو ضعيفًا.

 

وهنا أقول للرجل: لا تنتظر أن يفهم الناس ألمك من صمتك. الصمت ليس دائمًا كرامة. أحيانًا يكون جدارًا يعزل من تحب عنك. ولا تنتظر أن يترجم الآخرون غضبك إلى حزن. أنت مسؤول أن تتعلم لغة أنضج لنفسك.

 

قل: أنا متضايق، بدل أن تجرح.
قل: أنا خائف، بدل أن تسيطر.
قل: أنا محتاج دعم، بدل أن تنسحب.
قل: أنا شعرت أنني غير مقدر، بدل أن تعاقب بالصمت.
قل: أنا أخطأت، بدل أن تدافع عن نفسك حتى تخسر من تحب.

هذه الجمل ليست ضعفًا. هذه الجمل هي بداية رجل أكثر وعيًا.

 

والمرأة، أو الأسرة، أو المجتمع، لا يستطيعون إنقاذ رجل يرفض أن يرى نفسه. لا أحد يستطيع أن يفتح بابًا من الداخل بدلًا عنه. الدعم مهم، والرحمة مهمة، لكن التغيير يبدأ عندما يقرر الرجل أن قوته القديمة لم تعد كافية، وأنه يحتاج قوة أعمق: قوة الفهم، الاعتذار، الإصلاح، والحديث الصادق.

 

نحن نحتاج إلى رجال لا يخافون من مشاعرهم. رجال يعرفون أن البكاء لا يهدم الهيبة، وأن الاعتذار لا يقلل الكرامة، وأن طلب المساعدة لا يلغي الرجولة، وأن الحنان ليس عكس القوة، بل أحد أجمل أشكالها.

 

نحتاج إلى أب يعرف أن أبناءه لا يحتاجون منه المال فقط، بل يحتاجون أن يروا إنسانًا يعرف كيف يهدأ بعد الغضب، كيف يعتذر بعد الخطأ، كيف يقول أحبكم دون أن ينتظر مناسبة، وكيف يسمع دون أن يحوّل كل حوار إلى محاكمة.

 

ونحتاج إلى شاب يفهم مبكرًا أن الرجولة ليست في عدد المعارك التي يكسبها، بل في عدد المرات التي اختار فيها ألا يؤذي وهو قادر على الأذى. ليست في الصوت العالي، بل في ضبط النفس. ليست في السيطرة على الآخرين، بل في السيطرة على رد فعله. ليست في إنكار الضعف، بل في تحويله إلى وعي.

 

المشكلة الكبرى عند كثير من الرجال ليست أنهم لا يشعرون. بالعكس، بعضهم يشعر بعمق شديد. المشكلة أنهم لم يتعلموا ماذا يفعلون بهذا الشعور. ولهذا، قد يتحول الحب إلى تملك، والخوف إلى تحكم، والغيرة إلى شك، والتعب إلى غضب، والحزن إلى انسحاب.

 

الشفاء يبدأ من لحظة صدق بسيطة:
أنا لا أريد أن أكون رجلًا يخافه من يحبونه.
أريد أن أكون رجلًا يطمئنون إليه.

 

وهذا لا يحدث مرة واحدة. يحدث بالتدريب، بالمراجعة، بالاعتذار، بطلب المساعدة، وبالاستعداد لأن يتعلم الرجل لغة جديدة لا تقل أهمية عن أي نجاح آخر: لغة القلب حين يتكلم بكرامة.

 

فالبيت لا يحتاج رجلًا كاملًا.
ولا يحتاج رجلًا لا يتعب.
ولا يحتاج رجلًا يعرف كل الإجابات.

البيت يحتاج رجلًا حاضرًا، صادقًا، مسؤولًا عن ألمه، لا يتركه يتحول إلى أذى.

 

وحين يتعلم الرجل أن يفهم ألمه بدل أن يخاف منه، يصبح أكثر رحمة بنفسه، وأكثر أمانًا لمن حوله. عندها لا تكون الرجولة عبئًا ثقيلًا يحمله وحده، بل نضجًا هادئًا يضيء البيت كله.