الفقد والنجاة... حين يفقد الإنسان القدرة على الشعور
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
بقلم الأخصائية النفسية إيناس صبري
من أقسى التجارب الإنسانية تجربة الفقد.
نحن نعرف فقد الأشخاص، وفقد الأماكن، وفقد العلاقات والأحلام. نعرف وجع أن يغيب شخص كان جزءًا من يومنا، أو أن ينتهي شيء اعتقدنا أنه سيستمر معنا طويلًا.
لكن هناك نوعًا آخر من الفقد لا يراه أحد.
أن يفقد الإنسان شعوره نفسه.
أن يستيقظ في الصباح فلا يشعر بالحزن، ولا بالفرح، ولا بالغضب، ولا بالحماس. لا يشتاق، ولا ينتظر شيئًا، ولا يجد في داخله حتى الطاقة التي تجعله يغضب مما حدث له.
يصبح كأنه كتلة صامتة تتحرك في الحياة لأن عليها أن تتحرك.
يأكل لأنه يجب أن يأكل.
يذهب إلى عمله لأنه يجب أن يذهب.
يرد على الهاتف لأن هناك من يتصل.
ويبتسم أحيانًا لأن الموقف يتطلب ابتسامة.
لكن في الداخل... لا شيء تقريبًا.
وهذه من أكثر حالات الألم خداعًا، لأن الإنسان لا يبدو دائمًا محطمًا أمام الآخرين.
قد يرتدي ملابسه، ويخرج، ويتحدث، وينجز بعض مسؤولياته، فيعتقد الجميع أنه بخير. بينما أبسط تفاصيل اليوم أصبحت تحتاج منه إلى مجهود هائل.
فنجان القهوة الذي كان ينتظره كل صباح لم يعد له مذاق.
الأغنية التي كان يحبها لم تعد تحرك فيه شيئًا.
لقاء الأصدقاء يتحول إلى عبء.
حتى الأشياء التي كان يتمناها ذات يوم قد تأتي إليه، فلا يجد داخله القدرة على الفرح بها.
وحين يصل الإنسان إلى هذه المرحلة، قد يسأل نفسه السؤال الأصعب:
ماذا حدث لي؟
الحقيقة أن الإنسان أحيانًا لا يتوقف عن الشعور لأنه أصبح قاسيًا، ولا لأنه فقد القدرة على الحب، بل لأنه شعر أكثر مما استطاع احتماله.
بعض المعارك النفسية لا تنتهي بانتصار أو هزيمة واضحة.
أحيانًا يظل الإنسان يقاوم طويلًا؛ يتحمل، ويبرر، وينتظر، ويحاول إصلاح الأشياء، ويمنح الفرص، ويتلقى الصدمات واحدة بعد الأخرى، إلى أن تصل النفس إلى نقطة تقول فيها بطريقتها الخاصة: يكفي.
وهنا قد يبدأ الجمود.
وكأن العقل يغلق أبواب الإحساس لبعض الوقت حتى يحمي ما تبقى من صاحبه.
ليس قرارًا واعيًا.
لا يستيقظ الإنسان صباحًا ويقول: لن أشعر من اليوم.
إنها أحيانًا استجابة نفسية تأتي بعد استنزاف طويل، حين تصبح المشاعر نفسها مؤلمة إلى درجة أن الانفصال عنها يبدو، ولو مؤقتًا، أكثر احتمالًا من استمرار النزيف الداخلي.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة:
الجمود الذي أنقذك من الانهيار قد يتحول مع الوقت إلى السجن الذي يمنعك من الحياة.
في البداية يحميك من الألم، ثم يبعدك عن الفرح أيضًا.
يحميك من الخيبة، لكنه يمنعك من الأمل.
يجعلك أقل تعرضًا للجرح، لكنه في الوقت نفسه يجعلك أقل قدرة على الاقتراب والحب والرغبة.
فتبدأ الحياة في عينيك كأنها مسرحية طويلة تعرف نهايتها مسبقًا.
الناس يركضون خلف أحلامهم، يتشاجرون، يتصالحون، يحبون، يغضبون، يخططون للغد... وأنت تقف بعيدًا تتساءل: لماذا كل هذا؟
وهذه اللحظة تحتاج منا إلى قدر كبير من الرحمة تجاه الإنسان، لا إلى لومه.
لأن الشخص الذي فقد الدافع لا يحتاج إلى من يقول له: «شد حيلك».
والذي فقد شغفه لا يحتاج إلى محاضرة عن الإيجابية.
والذي بالكاد يستطيع النهوض من فراشه لا يحتاج إلى من يقارنه بالآخرين ويخبره كم هو محظوظ.
هو يحتاج أولًا إلى أن يشعر أن أحدًا يرى حجم المعركة التي خاضها في صمت.
فالنجاة ليست دائمًا أن تخرج من الحريق واقفًا.
أحيانًا تكون النجاة أنك خرجت فقط.
بملابس محترقة، وبجسد منهك، وبروح تحتاج وقتًا طويلًا حتى تصدق أن الخطر انتهى.
وعندها لا نطالب الإنسان بأن يعود فورًا كما كان.
ربما لن يعود كما كان أصلًا.
وهذا ليس بالضرورة أمرًا سيئًا.
فبعد بعض التجارب لا نعود إلى النسخة القديمة منا، وإنما نبني نسخة جديدة؛ أكثر معرفة بحدودها، وأكثر وعيًا بما يؤذيها، وأقل استعدادًا لأن تدفع ثمن الآخرين من سلامها النفسي.
والعودة إلى الشعور لا تحدث بضغطة زر.
تبدأ غالبًا بأشياء صغيرة جدًا.
أن تستمتع للحظة بطعم شيء تحبه.
أن تضحك من قلبك دون أن تنتبه.
أن تشتاق لشخص.
أن يزعجك شيء.
حتى الغضب أحيانًا يصبح علامة حياة، لأن وجوده يعني أن شيئًا في داخلك عاد يقول: هذا يؤلمني... وأنا ما زلت هنا.
ثم تأتي الرغبة.
رغبة بسيطة في تغيير مكان، أو الخروج، أو القراءة، أو الحديث، أو البدء من جديد.
هذه الأشياء التي تبدو عادية للآخرين قد تكون بالنسبة إلى شخص عاش طويلًا في الجمود النفسي إشارات حقيقية إلى عودة الروح.
ومن المهم أيضًا ألا نحول الألم العميق إلى اختبار للصبر فقط. عندما يستمر فقدان الشعور، وتختفي المتعة والدافعية، وتصبح المسؤوليات اليومية ثقيلة بصورة تعطل حياة الإنسان، فإن طلب المساعدة النفسية المتخصصة ليس مبالغة ولا ضعفًا؛ بل قد يكون جزءًا أساسيًا من طريق التعافي.
أصعب ما في النجاة أنك لا تعرف، وأنت في منتصف العاصفة، أنك تنجو.
ترى فقط الخراب.
لكن شيئًا بداخلك، مهما بدا ساكنًا، يظل يحاول حمايتك حتى تستطيع الوقوف مرة أخرى.
لذلك إذا مررت يومًا بمرحلة لم تعد تشعر فيها بشيء، فلا تتسرع في إعلان موت روحك.
ربما هي لم تمت.
ربما أغلقت أبوابها قليلًا لأنها تعبت من استقبال الوجع.
وحين تشعر بالأمان مرة أخرى، قد تفتح نافذة صغيرة.
ثم أخرى.
حتى يعود الضوء بالتدريج.
فالنجاة ليست أن تنسى ما حدث، ولا أن تصبح الشخص الذي كنت عليه قبل الألم.
النجاة أن تستعيد قدرتك على الشعور بالحياة، من دون أن تفقد نفسك مرة أخرى من أجلها.
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly5571 المقالات
منشورات شائعة
-
ريتيش كولومبيا تختار برلم...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 24, 2026
-
كالغاري تستعد للدورة الخا...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 24, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!