حين نُصلح ما بيننا… يهدأ ما بداخلنا
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
بقلم: د. عبير القاضي
ليست العلاقات القوية هي العلاقات التي لا يحدث فيها خلاف، بل هي العلاقات التي يعرف أصحابها كيف يعودون إلى بعضهم بعد الخلاف دون أن يجرحوا الكرامة، أو يكسروا القلب، أو يحولوا لحظة الغضب إلى ذكرى مؤلمة لا تُنسى.
كثيرون يظنون أن إصلاح العلاقة يبدأ عندما يعتذر الطرف الآخر، أو عندما يعترف بأنه أخطأ، أو عندما يتغير بالطريقة التي نريدها. لكن الحقيقة أن الإصلاح يبدأ أحيانًا من داخلنا نحن، من اللحظة التي نسأل فيها أنفسنا: هل أريد أن أكسب الموقف، أم أريد أن أحافظ على الإنسان؟
في حياتنا اليومية، قد نخسر من نحب ليس بسبب مشكلة كبيرة، بل بسبب كلمة قاسية، نبرة متعالية، صمت طويل، مقارنة موجعة، أو إصرار على أن نكون دائمًا على حق. فالقلوب لا تنكسر دفعة واحدة، لكنها تتعب عندما تشعر أنها غير مسموعة، غير مقدرة، أو غير آمنة في الكلام.
ومن أجمل ما يعلّمنا إياه الدين أن الكلمة ليست شيئًا عابرًا. قال الله تعالى: "وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا". لم يقل فقط قولوا لأهلكم، أو لمن تحبون، أو لمن يتفقون معكم، بل قال للناس. كأن حسن الكلام عبادة يومية، وطريقة نرتقي بها أمام الله قبل أن نرتقي بها في عيون الآخرين.
العلاقات تحتاج إلى رحمة أكثر مما تحتاج إلى ذكاء. تحتاج إلى إنسان يعرف متى يسكت حتى لا يجرح، ومتى يتكلم حتى لا يترك الآخر وحيدًا في ظنه، ومتى يعتذر دون أن يشعر أن اعتذاره إهانة. فالاعتذار ليس هزيمة، بل دليل نضج. واللين ليس ضعفًا، بل قوة نفسية لا يملكها إلا من انتصر على قسوته الداخلية.
أحيانًا يكون الشخص الذي أمامنا غاضبًا، لكنه في الحقيقة خائف. صامتًا، لكنه موجوع. حادًا، لكنه لا يعرف كيف يطلب الحب. وهنا يظهر الوعي الحقيقي: أن نرى ما وراء السلوك، لا أن نحاكم السلوك وحده. ليس معنى ذلك أن نقبل الإهانة أو نلغي حدودنا، لكن معناه أن نفهم قبل أن نهاجم، وأن نختار لغة تحفظ كرامتنا وكرامة الآخر في الوقت نفسه.
نحتاج أن نتعلم جملة بسيطة لكنها تنقذ علاقات كثيرة: "أنا متضايق، لكنني لا أريد أن أخسرك". هذه الجملة وحدها تستطيع أن تغير مسار الخلاف. لأنها تقول للآخر إن المشكلة موجودة، لكن المحبة لم تغادر. وتقول له إن الألم حقيقي، لكن الباب لا يزال مفتوحًا للحوار.
ومن المهم أيضًا أن ننتبه إلى أن بعض الناس لا يحتاجون منا إلى حلول بقدر ما يحتاجون إلى احتواء. ليس كل من يشتكي يريد نصيحة. أحيانًا يريد فقط أن يشعر أن هناك من يسمعه دون أن يصغّره، أو يلومه، أو يقاطعه. الإصغاء الصادق نوع من الرحمة، وربما يكون أحيانًا أبلغ من ألف كلمة.
العلاقة الطيبة لا تُبنى على المثالية، بل على الرحمة المتبادلة. أن أخطئ فأجد من يذكرني بلطف، وأن تتعب فأحاول أن أفهم تعبك، وأن نختلف دون أن نفضح أسرار بعضنا، أو نستخدم نقاط الضعف كسلاح في لحظة غضب.
ما أجمل الإنسان الذي لا ينسى المعروف وقت الخلاف. الذي يقول: نعم، أنا غاضب، لكنني لا أنكر فضلك. نعم، تأذيت، لكنني لن أظلم تاريخك معي. هذا النوع من النبل يحمي العلاقات من الانهيار، ويجعل القلوب أكثر أمانًا.
إن تحسين علاقتنا بالآخرين يبدأ من تحسين علاقتنا بأنفسنا. فمن كان قاسيًا على نفسه غالبًا يقسو على غيره. ومن لا يعرف كيف يهدئ داخله، قد يحوّل كل حوار إلى معركة. لذلك، قبل أن نسأل: لماذا لا يفهمني الناس؟ ربما علينا أن نسأل: هل أتكلم بطريقة تجعل الفهم ممكنًا؟ هل أسمع كما أريد أن أُسمع؟ هل أطلب الحب بلغة تقربني، أم بلغة تبعدني؟
لا توجد علاقة تخلو من التعب. لكن هناك علاقات تنجو لأن أصحابها اختاروا الرحمة بدل العناد، والوضوح بدل الصمت العقابي، والدعاء بدل القسوة، والإصلاح بدل الانتصار للنفس.
في النهاية، لسنا بحاجة إلى أن نكون كاملين كي نحافظ على من نحب. نحن بحاجة فقط إلى قلوب أكثر رحمة، وكلمات أكثر رفقًا، ووعي يجعلنا نتذكر أن الإنسان الذي أمامنا ليس خصمًا في معركة، بل روحًا لها تعبها، ووجعها، وكرامتها.
ومن أصلح ما بينه وبين الناس بنية صادقة، أصلح الله كثيرًا مما بداخله. فسلام العلاقات لا يبدأ دائمًا من الخارج، بل يبدأ من قلب قرر أن يكون أرحم، أنقى، وأقرب إلى الله في طريقته مع خلق الله.
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly5098 المقالات
منشورات شائعة
-
«قصص عبر الحدود».. السينم...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 22, 2026
-
أربع عمليات سحب في كندا ت...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 23, 2026
-
حين ينخفض الوزن… لكن الجس...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 23, 2026
-
CRA تضيف خطوة تحقق جديدة...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 23, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!