الوضع المظلم
حين يتحول الدايت إلى تريند: أغرب أنظمة التخسيس بين الوعد السريع والخطر الصامت

حين يتحول الدايت إلى تريند: أغرب أنظمة التخسيس بين الوعد السريع والخطر الصامت

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

بقلم دكتورة/ ماريان أسعد

 

في زمن السوشيال ميديا، لم يعد الدايت مجرد نظام غذائي يصفه طبيب أو تضعه اختصاصية تغذية بعد فهم حالة الشخص. أصبح أحيانًا فيديو قصيرًا، وتجربة مؤثرة، وصورة “قبل وبعد”، ووعدًا كبيرًا في جملة واحدة: اخسري بسرعة، غيّر جسمك في أيام، أو اتبعي هذا النظام السحري.

 

المشكلة ليست في رغبة الإنسان في أن يصبح أخف وزنًا أو أكثر صحة. هذه رغبة طبيعية ومفهومة. المشكلة تبدأ عندما يتحول الجسم إلى ساحة تجارب، وعندما يصدق الناس أن أي نظام ينتشر على الإنترنت يصلح للجميع، مهما كان قاسيًا أو غريبًا أو غير متوازن.

 

كثير من هذه الأنظمة قد يسبب نزولًا سريعًا في الوزن، لكن هذا النزول لا يعني دائمًا فقدان دهون حقيقيًا أو تحسنًا صحيًا. أحيانًا يكون السبب فقدان ماء، أو نقص سعرات شديد، أو حرمان مؤقت لا يستطيع الجسم تحمله طويلًا. وتؤكد المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية منها أن فقدان الوزن التدريجي والثابت، بمعدل يقارب رطلًا إلى رطلين أسبوعيًا، يكون غالبًا أكثر قابلية للاستمرار من النزول السريع.

 

من أشهر الأمثلة “دايت حساء الكرنب”، وهو نظام يقوم على تناول حساء الكرنب لعدة أيام مع أطعمة محدودة جدًا. قد يرى البعض رقمًا أقل على الميزان، لكن السؤال الأهم هو: ماذا فقد الجسم؟ وهل حصل على البروتين، والدهون الصحية، والفيتامينات، والمعادن التي يحتاجها؟ النزول السريع هنا قد يكون مغريًا، لكنه غالبًا لا يصنع علاقة صحية مع الطعام، ولا يعلم الإنسان كيف يأكل بطريقة يستطيع الاستمرار عليها.

 

وهناك “دايت آكل اللحوم” أو Carnivore Diet، الذي يقوم تقريبًا على تناول المنتجات الحيوانية فقط مع استبعاد الخضروات، والفواكه، والحبوب، والبقوليات، والمكسرات. هذا النظام انتشر بقوة عبر مؤثرين يتحدثون عن نتائج شخصية، لكن خبراء التغذية في هارفارد يحذرون من أن استبعاد مجموعات غذائية كاملة، خصوصًا الأطعمة النباتية الغنية بالألياف، قد يترك آثارًا صحية طويلة المدى، حتى لو حدث نزول وزن في البداية.

 

أما “دايت طعام الأطفال”، فيبدو للوهلة الأولى بسيطًا ومسيطرًا عليه، لأن الكميات صغيرة ومعلبة. لكنه في الحقيقة لا يناسب احتياجات البالغين. الإنسان الكبير يحتاج إلى بروتين كاف، وألياف، ودهون صحية، وطاقة تكفي عمله وحركته ومناعته. تحويل الطعام إلى ملاعق قليلة من أطعمة مخصصة للأطفال ليس خطة صحية، بل شكل آخر من أشكال الحرمان.

 

ورجيم العصير من أكثر الأنظمة إغراءً، لأنه يبدو صحيًا وملونًا ومليئًا بالفواكه والخضروات. لكن شرب العصير فقط لا يعادل أكل الطعام الكامل. العصير قد يحتوي على فيتامينات، لكنه يفقد كثيرًا من الألياف الموجودة في الثمرة الكاملة، وقد يرفع كمية السكر التي تدخل الجسم بسرعة. كما أن الجهات الصحية الأميركية المعنية بالطب التكميلي تشير إلى أن أنظمة “الديتوكس” والعصائر قد تسبب نزولًا أوليًا بسبب قلة السعرات، لكن الوزن يعود غالبًا بعد الرجوع للأكل الطبيعي، ولا توجد أدلة قوية تدعمها كطريقة ثابتة لإزالة السموم أو إدارة الوزن.

 

الأخطر من ذلك هو رجيم الماء فقط، أو الامتناع عن الطعام لأيام والاكتفاء بالماء. هذا النوع قد يسبب هبوطًا، ودوخة، وإرهاقًا، واضطرابًا في الأملاح، خصوصًا عند مرضى السكري، والضغط، والكلى، والحوامل، وكبار السن، ومن يتناولون أدوية منتظمة. اضطراب الأملاح ليس أمرًا بسيطًا، لأن الصوديوم والبوتاسيوم ومعادن أخرى تدخل في عمل القلب، والعضلات، والأعصاب، وتوازن السوائل في الجسم.

 

حتى الأنظمة الأكثر شهرة مثل الكيتو، وأتكينز، والباليو، والصيام المتقطع، لا يجب التعامل معها كأنها وصفة واحدة للجميع. بعضها قد يناسب أشخاصًا تحت إشراف، وقد لا يناسب آخرين. الصيام المتقطع مثلًا قد يساعد بعض الناس على تنظيم الأكل، لكنه ليس مناسبًا للجميع، خصوصًا لمن لديهم تاريخ مع اضطرابات الأكل، أو الحوامل والمرضعات، أو بعض مرضى السكري، أو من يحتاجون إلى تغذية منتظمة بسبب طبيعة صحتهم أو نشاطهم. وتشير مايو كلينك إلى أن الصيام المتقطع قد يسبب أعراضًا مثل الجوع، والتعب، والأرق، والصداع، وضعف التركيز عند بعض الأشخاص.

 

وفي الفترة الأخيرة، ظهر أيضًا حديث واسع حول أنظمة تحمل أسماء جذابة مثل “نظام الطيبات”، وتُقدم أحيانًا باعتبارها طريقًا لإصلاح الجسم أو علاج مشكلات صحية. الفكرة العامة في تحسين جودة الطعام وتقليل الأكل المصنع قد تكون مفيدة إذا وُضعت داخل خطة متوازنة، لكن الخطر يظهر عندما تتحول النصيحة إلى وعود علاجية، أو عندما يُطلب من المرضى تقليل الماء، أو وقف الأدوية، أو استبعاد أطعمة كثيرة من دون متابعة طبية. وقد نقلت وسائل إعلام مصرية تحذيرات من متخصصين أكدوا أن أي نظام غذائي يُطرح كحل علاجي يجب أن يخضع لمعايير علمية واضحة، لا لشهرة صاحبه أو انتشاره على المنصات.

 

لماذا ينجذب الناس إلى هذه الأنظمة؟

لأن الإنسان المتعب يريد حلًا سريعًا. من زاد وزنه بعد ولادة، أو بسبب أدوية، أو ضغط نفسي، أو عمل طويل، أو قلة حركة، يبحث أحيانًا عن شيء يمنحه الأمل بسرعة. والسوشيال ميديا تعرف كيف تبيع هذا الأمل. صورة ناجحة، قصة مؤثرة، مؤثر محبوب، وتعليق يقول: “جربوه، حياتي اتغيرت”. لكن ما لا نراه غالبًا هو التعب، والصداع، والدوخة، والعودة السريعة للوزن، أو الضرر النفسي الذي يحدث عندما يشعر الشخص أنه فشل لأنه لم يتحمل نظامًا قاسيًا.

 

الدايت الناجح ليس الذي يعاقبك، بل الذي يستطيع أن يعيش معك. لا بد أن يناسب يومك، عملك، ميزانيتك، حالتك الصحية، أدويتك، مستوى نشاطك، وثقافتك الغذائية. الموظف المكتبي قد يحتاج إلى تنظيم السعرات وزيادة الألياف والحركة. الرياضي يحتاج إلى طاقة وبروتين وتوقيت وجبات مناسب. مريض السكري يحتاج إلى متابعة دقيقة للكربوهيدرات والأدوية. ومن يعاني القولون أو أمراض الأمعاء لا يصلح معه نظام منسوخ من تجربة شخص آخر.

 

القاعدة الذهبية أبسط مما تبدو: لا تحذف مجموعة غذائية كاملة من حياتك من غير سبب طبي واضح. لا تصدق نظامًا يعدك بنتائج مذهلة في أيام. لا توقف دواء بسبب فيديو. لا تقلل الماء لأن أحدهم قال إن ذلك “ينشف الجسم”. ولا تجعل الميزان وحده يحكم على صحتك.

 

النموذج الأكثر أمانًا ليس تريندًا غريبًا، بل طبق متوازن. دليل الغذاء الكندي يوصي بأن يكون نصف الطبق من الخضروات والفواكه، وربعه من أطعمة البروتين، وربعه من الحبوب الكاملة، مع جعل الماء خيارًا أساسيًا للشرب. هذه الفكرة قد تبدو عادية جدًا، لكنها في الحقيقة أكثر واقعية واستدامة من أنظمة الحرمان السريع.

 

وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن النظام الصحي يقوم على أطعمة متنوعة، ويفضل أن تكون قليلة التصنيع، مع تقليل السكريات الحرة، والدهون غير الصحية، والملح. بمعنى آخر، الصحة لا تحتاج إلى اسم غريب بقدر ما تحتاج إلى توازن، واستمرارية، وفهم للجسم.

 

الخلاصة أن أغرب أنواع الدايت قد تكون مثيرة للمشاهدة، لكنها ليست دائمًا آمنة للتجربة. ليس كل ما ينتشر صحيحًا، وليس كل من خسر وزنًا أصبح أكثر صحة، وليس كل نظام يناسب صديقتك يناسبك أنت.

 

جسم الإنسان لا يحتاج إلى حرب، بل إلى خطة. لا يحتاج إلى حرمان قاس، بل إلى وعي. ولا يحتاج إلى تريند جديد كل أسبوع، بل إلى علاقة أهدأ وأكثر رحمة مع الطعام.

 

الدايت الحقيقي ليس عقوبة مؤقتة حتى نكره أجسامنا أقل. الدايت الصحي هو أسلوب حياة يساعدنا أن نعيش أفضل، بطاقة أكثر، وصحة أوضح، وكرامة نفسية لا تهتز مع كل رقم على الميزان.

 

ملاحظة صحية للقارئ

هذا المقال للتوعية العامة ولا يغني عن استشارة الطبيب أو اختصاصي التغذية. يجب على مرضى السكري، والضغط، والكلى، والقلب، والحوامل، والمرضعات، والمراهقين، وكبار السن، ومن يتناولون أدوية منتظمة، استشارة مختص قبل اتباع أي نظام غذائي قاس أو