الوضع المظلم
حين ينام الجسد ويظل العقل مستيقظًا: لماذا يهاجمنا التفكير في آخر الليل؟

حين ينام الجسد ويظل العقل مستيقظًا: لماذا يهاجمنا التفكير في آخر الليل؟

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

بقلم د. عبير القاضي


هناك لحظة يعرفها كثيرون جيدًا. ينتهي اليوم، ينطفئ البيت، يهدأ صوت الهاتف، يلمس الرأس الوسادة، وفجأة يبدأ العقل في الكلام.

 

كل ما حاول الإنسان تجاهله طوال النهار يعود مرة واحدة. رسالة لم يرد عليها. موقف قديم. كلمة جرحت. خوف من الغد. حسابات المال. قلق على الأبناء. سؤال عن المستقبل. وكأن الليل لا يأتي لينام الإنسان، بل ليجلس وحده أمام كل ما هرب منه.

 

هذه ليست مجرد عادة مزعجة. أحيانًا يكون التفكير الليلي إشارة إلى عقل ظل طوال اليوم يعمل تحت الضغط، ثم وجد الهدوء أخيرًا فبدأ يفرغ ما بداخله. وتشير Mayo Clinic إلى أن الأرق طويل الأمد يرتبط كثيرًا بالتوتر، وأحداث الحياة، والعادات التي تعطل النوم. كما توضّح Cleveland Clinic أن القلق الليلي قد يصنع دائرة مرهقة، فليلة نوم سيئة تقود إلى تعب في اليوم التالي، والتعب يزيد القلق، ثم يعود الأرق من جديد.

 

من منظور العلاج بالتنويم الإيحائي، أو الهيبوثيرابي، لا ننظر إلى هذه اللحظة على أنها “عقل لا يريد أن يسكت” فقط، بل نسأل: ماذا يحاول هذا العقل أن يقول؟


فالعقل الباطن لا يختار دائمًا الوقت المناسب، لكنه يختار الوقت الذي يتوقف فيه الضجيج الخارجي. وحين يسكت العالم، تظهر الأصوات الداخلية التي لم نسمعها في النهار.

 

بعض الناس لا يخافون من النوم نفسه، بل من الهدوء الذي يسبق النوم. لأن الهدوء يفتح بابًا للذكريات والقلق والأسئلة المؤجلة. لذلك قد يمسك الإنسان هاتفه، أو يفتح مسلسلًا، أو يظل يتقلب في السرير، ليس لأنه يريد السهر، بل لأنه لا يريد أن ينفرد بعقله.

 

وهنا تظهر نقطة مهمة: التفكير الزائد قبل النوم ليس دائمًا ضعفًا أو دلعًا. قد يكون طريقة قديمة تعلم بها العقل أن يحمي صاحبه. يراجع كل شيء حتى لا يفاجأ. يتوقع الأسوأ حتى يستعد. يعيد الحوار القديم حتى يفهم ما حدث. لكنه مع الوقت يتحول من وسيلة حماية إلى سجن صغير داخل الرأس.

 

في الهيبوثيرابي، نحاول مساعدة الإنسان على تهدئة هذا النظام الداخلي، لا بالقوة، ولا بالأوامر، بل بإعادة تدريب العقل على الشعور بالأمان. فالعقل الذي تعود أن الليل وقت حساب وقلق، يحتاج أن يتعلم بالتدريج أن الليل يمكن أن يكون وقت راحة.

 

هذا لا يعني أن التنويم الإيحائي حل سحري أو بديل عن العلاج الطبي والنفسي. المركز الوطني الأميركي للصحة التكاملية NCCIH يوضح أن التنويم الإيحائي دُرس في عدد من الحالات، منها القلق المرتبط بإجراءات طبية، والقولون العصبي، وبعض أعراض الألم وغيرها، لكنه يجب أن يُفهم كأداة علاجية مساعدة ضمن سياق مهني واضح، لا كمعجزة فورية.

 

الفكرة الأهم أن النوم لا يبدأ عندما نطفئ المصباح فقط. النوم يبدأ قبل ذلك بكثير. يبدأ من الطريقة التي عاملنا بها أنفسنا طوال اليوم. من حجم الضغط الذي كتمناه. من الرسائل التي ابتلعناها. من الغضب الذي لم نعرف كيف نعبّر عنه. من الخوف الذي قلنا عنه: “مش مهم”.

 

لذلك، حين يهاجمك التفكير في آخر الليل، لا تبدأ بكره عقلك. اسأله بهدوء: ماذا تحمل؟ ما الذي لم أسمعه منك اليوم؟ ما الخوف الذي يتكرر؟ وما الشيء الذي أحتاج أن أكتبه، أو أرتبه، أو أطلب فيه مساعدة؟

 

قبل النوم، جرّب أن تترك لعقلك مساحة آمنة بدل أن تتركه ينفجر في الظلام. اكتب ثلاث جمل فقط: ما الذي يقلقني؟ ما الذي أستطيع فعله غدًا؟ وما الذي لا أستطيع حله الآن ويجب أن أتركه حتى الصباح؟

 

ثم امنح جسدك إشارة واضحة أن الخطر انتهى. تنفس ببطء. أرخ كتفيك. أبعد الهاتف قليلًا. لا تدخل السرير كأنك داخل معركة. ادخل إليه كأنك تعود إلى مكان يستحق أن ترتاح فيه.

 

كثير من الناس لا يحتاجون إلى نصيحة تقول لهم: “بطلوا تفكير”. هذه جملة لا تساعد. من يفكر كثيرًا لا يفعل ذلك لأنه يحب التعب، بل لأن عقله تعود أن البقاء متيقظًا يعني البقاء آمنًا.

 

الشفاء يبدأ حين نعلّم العقل أن الأمان لا يعني السيطرة على كل شيء.
وأن الراحة ليست خيانة للمسؤولية.


وأن النوم ليس هروبًا من الحياة، بل شرط للاستمرار فيها.

إذا كان عقلك يوقظك كل ليلة، فربما لا يحتاج إلى معركة. ربما يحتاج إلى إنصات، وتنظيم، وحنان، ومساعدة متخصصة إذا طال الأمر وأثر على حياتك.

 

فالإنسان لا ينهار دائمًا من كثرة ما حدث له.
أحيانًا ينهار من كثرة ما لم يجد وقتًا ليقوله.

ملاحظة صحية
هذا المقال للتوعية العامة، ولا يغني عن استشارة الطبيب أو المختص النفسي. إذا كان الأرق مستمرًا، أو مصحوبًا بقلق شديد، اكتئاب، نوبات هلع، أفكار إيذاء النفس، أو تأثير واضح على الحياة اليومية، يجب طلب دعم متخصص.