الوضع المظلم
زيارة الجنة.. قصة قصيرة للكاتب صابر الجنزوري

زيارة الجنة.. قصة قصيرة للكاتب صابر الجنزوري

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

في القصة القصيرة «زيارة الجنة»، يأخذنا الكاتب صابر الجنزوري إلى مساحة شفافة بين الذاكرة والغياب، حيث تتحول لحظة الفقد إلى رحلة روحية مدهشة في عين طفل أحب جده ببراءة كاملة. القصة تمزج بين الحنين العائلي والخيال الإيماني، وتستعيد صورة الجد الصالح كما بقيت في القلب: قارئًا للقرآن، قريبًا من الله، وحاضرًا حتى بعد الرحيل. ومن خلال لغة بسيطة ومؤثرة، يفتح النص سؤالًا عذبًا عن الموت، والجنة، والاشتياق، وما يبقى من المحبة بعد الفراق.

 

زيارة الجنة

 

أحب جدي كثيرًا. كان يُصلّي، وأقف بجانبه. وعندما ينتهي من صلاته، يضمني إلى صدره، ويأخذ يدي الصغيرة، يقبلها.

ما زالت صورته لا تفارقني؛ عمامته الأزهرية، جبته، وقفطانه، ووجهه الأبيض المتورد. كان لا يفارق القرآن، ولا القرآن يفارقه. أراه يقرأ، يرتل، يُعلم الأطفال. كان الشيوخ يأتون إليه ليقرؤوا أمامه فيصحح لهم قراءتهم.

 

في لحظات الاحتضار، أتذكر أذان الفجر بصوته العذب، وآخر آية قرأها قبيل صعود روحه إلى السماء.

 

وقفت أشاهد لحظة الغسل، عندما وضعوه على طاولة خشبية. كان ثغره مبتسمًا كأنه يرى أشياء لا نراها. أدخلوه في الثوب الأبيض، ربطوا الأحزمة بوسطه وقدميه. غطوا وجهه، قرأوا الفاتحة، وضعوه في نعش خشبي، وانطلقنا معه إلى المسجد للصلاة عليه.

 

جاءت لحظة الوداع، وانهمرت دموعي المحتجزة في عيني. وسط التكبير والدعاء، نزلت مع الترابي إلى القبر.

مرت لحظات كأنها الدهر. فتحت عينيّ، وكل ما حولي كان ظلامًا. صرختُ، صعدتُ درجات السلم الصغير، أبحث عن الفتحة التي أغلقوها بالطوب والطين والتبن.

 

ضاعت كل محاولاتي من صراخ وضربات على الحائط المسدود.

عدت إليه، ألقيت برأسي الصغير على صدره.

 

هيا أخرجني يا جدي من هنا. أبي، أمي، إخوتي، سوف يبحثون عني.

شعرت بشيء يتحرك في جسده. يداه تخرجان من القماش. نهض، مزق الأربطة، وتخلص من القطع القطنية فوق عينيه. أصبح وجهه قمرًا منيرًا بدد الظلام حولنا.

هدأ من روعي، وقال:

لا تخف.

تحول الكفن إلى زي إحرام. لفه حول جسده، ونهضت معه.

ضحكت، غمرتني سكينة وراحة.

قال : هيا !

  • إلى أين؟
  • إلى قصري وحديقتي.
  • ألك قصر وحديقة هنا؟
  • سوف ترى كل شيء.

 

انكشف أمامنا فضاء شاسع. أشجار وارفة ليس لها ظلال. طريق ممهد، بساتين زهور بألوان بديعة وشذى يفوح.

على جانبي الطريق، وقف أناس وجوههم من نور ليحيّوه. كانوا يلوحون له، وهو يلوح لهم. يكبّر، يسبّح، يردد الأذان.

وصلنا إلى قصره وسط الأرض الخضراء الواسعة. هتفت:

أنا جائع.

قال:

كل ما حدثتك به نفسك من طعام سوف يأتي حالًا.

على مائدة ذهبية، كانت الفاكهة التي تمنيتها، والشواء، والشراب في أباريق فضية.

كل شيء حولي كان من ذهب وفضة وأحجار كريمة. أكلت بنهم، شبعت، ارتويت.

سألته:

أين جدتي؟

قال:

انظر هناك، ها هي أمامك.

جريت نحوها، أخذتني في حضنها، قبلتني، وقالت:

أنت الغالي وابن الغالي.

كان البهاء في وجهها كأنه البدر في تمامه.

سألتني:

 

أتريد البقاء معنا أم العودة إلى أبيك وأمك؟

تلعثمت كلماتي، قلتُ:

هنا الطعام ليس له مثيل، كل الأشياء جميلة هنا.

ضحكت جدتي، وقالت:

يا شقي، تريد أباك وأمك.

قال جدي:

 

سوف أعيدك، لكن لا تُخبر أحدًا بما رأيت وسمعت.

على فراشي في حجرتي، وجدت أمي وأبي وإخوتي حولي. كانوا يسألون بلهفة:

 

أين كنت؟ قلبنا الدنيا بحثًا عنك، ظننا أنك خُطفتَ.

كنت... لم أستطع أن أكمل جملتي، رأيته واقفًا مبتسمًا لا أحد يراه غيري. نهاني ألا أتحدث.

الآن أصبحت في عمر جدي عندما ذهب إلى عالمه الآخر.

 

أتأمل براءة وجه حفيدي الصغير، وأفكر أن آخذه معي في زيارة إلى جدي.