ليس كل جسم يشبه الآخر: كيف يفتح علم الجينوم الغذائي باب التغذية الشخصية؟
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
بقلم د. ماريان أسعد
كم مرة سمعتِ عن حمية نجحت مع صديقة، وفشلت تمامًا معكِ؟
وكم مرة التزمتِ بنظام غذائي بدقة، ثم وجدتِ أن جسمك لا يستجيب كما توقعتِ؟
لوقت طويل، تعاملنا مع التغذية كأنها وصفة واحدة تصلح للجميع: قللي السعرات، زيدي البروتين، ابتعدي عن الدهون، خففي الكربوهيدرات. لكن العلم اليوم يفتح نافذة أكثر دقة وإنسانية، تقول ببساطة إن أجسامنا لا تتشابه بالكامل، وإن ما يناسب شخصًا قد لا يناسب آخر بالدرجة نفسها.
من هنا ظهر مجال علمي متطور يُعرف باسم علم الجينوم الغذائي، أو Nutritional Genomics، وهو مجال يدرس العلاقة بين الغذاء والجينات، وكيف يمكن أن تؤثر الاختلافات الوراثية في طريقة تعامل الجسم مع العناصر الغذائية، من الهضم والامتصاص إلى التمثيل الغذائي والاستجابة لبعض الأطعمة. وتشير أدبيات التغذية الجينية إلى أن هذا المجال يساعدنا على فهم التفاعل بين النظام الغذائي والتركيب الجيني، لكنه يحتاج دائمًا إلى تطبيق حذر قائم على الدليل العلمي لا على الوعود التجارية السريعة.
الفكرة ليست أن الجينات تحكم مصيرنا بالكامل، ولا أن تحليل الحمض النووي سيمنحنا وصفة سحرية جاهزة. الفكرة الأهم أن الجينات قد تفسر بعض الفروق بين الناس: لماذا يرتفع سكر الدم لدى شخص بسرعة أكبر من غيره؟ لماذا يتأثر آخر بالكافيين؟ لماذا يميل جسم شخص إلى تخزين الدهون بسهولة أكبر؟ ولماذا قد يحتاج بعض الأفراد إلى اهتمام خاص بعناصر غذائية معينة؟
في السنوات الأخيرة، بدأ الحديث يتوسع من «الحمية العامة» إلى «التغذية الشخصية». وهذا لا يعتمد على الجينات وحدها، بل على صورة أوسع تشمل الجينات، والميكروبيوم، ونمط النوم، والحركة، والعادات اليومية، والبيئة، وحتى ظروف الحياة. ولهذا أطلق المعهد الوطني الأميركي للصحة مشروع Nutrition for Precision Health بهدف تطوير أدوات تساعد على توقع استجابة الأفراد للأطعمة والأنماط الغذائية، من خلال دراسة التفاعل بين الطعام والجينات والبروتينات والميكروبيوم والتمثيل الغذائي وعوامل أخرى.
وهنا تكمن قوة هذا العلم: أنه يعيد الاعتبار للفرد.
فالمرأة التي تحاول إنقاص وزنها بعد الولادة، أو مريضة السكري، أو من تعاني اضطرابات هضمية متكررة، أو من جربت أنظمة كثيرة بلا نتيجة واضحة، قد لا تكون «فاشلة» أو «غير ملتزمة»، بل ربما تحتاج إلى فهم أدق لجسمها بدل لومه.
عادة تبدأ التغذية الجينية من اختبار بسيط لعينة لعاب أو دم، ثم تُقرأ بعض المؤشرات المرتبطة بطريقة تعامل الجسم مع عناصر غذائية معينة. بعدها يمكن لاختصاصي التغذية أو الطبيب أن يستخدم هذه النتائج كجزء من الصورة، لا كحكم نهائي، لتصميم نظام أكثر ملاءمة لاحتياجات الشخص.
قد تشير النتائج مثلًا إلى قابلية أعلى للتأثر بنوع معين من الدهون، أو إلى اختلاف في طريقة التعامل مع الكربوهيدرات، أو إلى احتياج أكبر لمتابعة بعض الفيتامينات. لكن هذه النتائج لا يجب أن تُقرأ بمعزل عن التحاليل الطبية، والتاريخ الصحي، والوزن، والنشاط البدني، والنوم، والضغط النفسي، والأدوية، والعادات الغذائية.
وهنا يجب أن نكون واضحين: علم الجينوم الغذائي واعد، لكنه ليس بديلًا عن الطب ولا عن المتابعة المتخصصة. الجينات جزء من القصة، وليست القصة كلها. قد تحمل المرأة استعدادًا وراثيًا لمشكلة صحية، لكن نمط حياتها، ونوعية غذائها، وحركتها، ونومها، ودعمها النفسي، كلها عوامل قد تخفف الخطر أو تزيده.
كما أن هناك جانبًا لا يقل أهمية عن الجانب الصحي، وهو خصوصية البيانات الوراثية. فاختبار الجينات ليس اختبارًا عاديًا؛ إنه يحمل معلومات شديدة الحساسية عن الإنسان وربما عن عائلته أيضًا. لذلك يجب قراءة شروط الخصوصية بعناية، ومعرفة من يحتفظ بالعينة، ومن يستطيع الوصول إلى البيانات، وهل يمكن حذفها لاحقًا. وتشير جهات رقابية في كندا والولايات المتحدة إلى أهمية الشفافية في جمع واستخدام بيانات الاختبارات الجينية، خصوصًا مع شركات الاختبارات المباشرة للمستهلك.
ولهذا، لا ينبغي أن ننجرف خلف إعلانات تقول إن اختبارًا واحدًا سيخبرك بكل ما يجب أن تأكليه أو تمنعيه إلى الأبد. بعض الاختبارات المباشرة للمستهلك، خاصة تلك المرتبطة بالرفاهية العامة أو المخاطر المنخفضة، قد لا تخضع دائمًا للمراجعة التنظيمية نفسها التي تخضع لها الاختبارات الطبية الأعلى خطورة.
القيمة الحقيقية لهذا العلم ليست في تحويل الطعام إلى معادلة باردة، بل في جعل التغذية أكثر رحمة وذكاء. بدل أن نقول للناس: «هذه الحمية تناسب الجميع»، يمكن أن نقول: «لنبحث عما يناسب جسمك، وظروفك، وصحتك، وحياتك».
في المستقبل، قد يصبح النظام الغذائي أقرب إلى خريطة شخصية، تراعي الجينات ولكنها لا تنسى الإنسان. خريطة تقول لنا إن الجسد ليس آلة واحدة متكررة، وإن الصحة لا تُبنى بالحرمان والقسوة، بل بالفهم، والمتابعة، والاختيار الواعي.
التغذية الجينية قد تكون خطوة مهمة نحو طب أكثر شخصية، لكنها تظل في أفضل صورها أداة مساعدة، لا وعدًا معصومًا. والأهم أن نتذكر دائمًا أن الطريق إلى الصحة لا يبدأ فقط من تحليل جيني، بل يبدأ من علاقة أهدأ مع الجسد، ومعرفة أصدق بما يحتاجه، وقرار يومي بأن نعتني به لا أن نعاقبه.
ملاحظة صحية
هذا المقال للتوعية العامة، ولا يغني عن استشارة الطبيب أو اختصاصي التغذية، خاصة في حالات الحمل، السكري، أمراض القلب، اضطرابات الغدة، أمراض الكلى، أو استخدام أدوية مزمنة.
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly5232 المقالات
منشورات شائعة
-
أخطر رقم في شراء العقار ل...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
-
قطر تعرض في تورونتو حصيلة...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
-
«الدكان» يفتح نقاشًا عربي...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
-
لبنان يفعّل البصمة البيوم...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 30, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!