الوضع المظلم
على مقعد العمر الشاغر" علي سفر"

على مقعد العمر الشاغر" علي سفر"

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

منذ عقود ارتديتُ حُلَّة السفر، ولملمتُ أجزائي وذكرياتي، ثم وضعتُها في حقيبتي بجوار معطفي، ولحنٍ كنتُ أهيم بنغماته، وقصيدةٍ كانت تردّني إلى براعم الحب في الحقول.

 

اجتزتُ بوابات العمر، وجلستُ إلى جوار النافذة أتأمل سنواتي الراحلة والقادمة. ومضى قطار العمر، تارةً سريعًا فتتناثر شعيرات الشيب على مفرقي، وتارةً بطيئًا متكاسلًا، كأنما يمر فوق جسدي ليتركني أشلاءً تتناثر بين الثرى.

 

وبجواري ظل مقعد شاغر، برودته قاتلة، لا يحتمل أحد الجلوس عليه طويلًا. وعلى امتداد الرحلة، كان كثيرون يقتربون منه، ثم يتركونه ويعود شاغرًا كما كان.

 

في البداية، كنت ألومهم، أو ألوم صانع المقعد، أو ألوم الطريق نفسه. لكن مع مرور محطات العمر، أدركت أنني كنتُ جلدةً من شتائي. لم أخلق نسمةً في قيظ، بل خلقت طوفانًا هادرًا، فصار الجميع يتمسك بالظمأ خوفًا من الغرق.

 

وكلما خدش القطار هدوء الليل بهديره، طويت صفحات من العمر امتلأت بالأحبار، ثم كان العمر يأتيني بصفحات بيضاء جديدة. ومع الوقت، امتلأ المقعد بأوراقي، حتى لم يعد يحتمل مزيدًا من وفود الزوار.

 

أرحتهم من شتائي، واحتويت عواصفي وطوفاني، ثم انصهرت داخل أوراقي، أسكب الأحبار حتى صرت كتابًا يعلوه الغبار على رف عالٍ، ينعم بالهدوء والسلام.

 

فهل تمتد يدٌ لتمسح عنه أوهامه، أو تزيل قطرات أحباره، ليعود بلون النور، بعطش الأرض؟

 

مع ملاحظةٍ كتبتُها على غلافه:


احذر أن تغرق في الطوفان.