الوضع المظلم
كارني من نيويورك: شراكة جديدة مع أميركا في زمن الانكسار الاقتصادي

كارني من نيويورك: شراكة جديدة مع أميركا في زمن الانكسار الاقتصادي

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

دعا رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلى صياغة شراكة جديدة مع الولايات المتحدة تقوم على التعاون العملي في قطاعات استراتيجية، في وقت وصف فيه العالم بأنه يمر بحالة “انكسار” في العلاقات الاقتصادية والسياسية، بسبب التحولات الحادة في التجارة العالمية وسياسات واشنطن التجارية. وجاءت تصريحات كارني خلال خطاب أمام النادي الاقتصادي في نيويورك، قبيل مراجعة مهمة لاتفاق التجارة بين كندا والولايات المتحدة والمكسيك في يوليو المقبل.

 

وتحمل زيارة كارني إلى نيويورك بعدًا اقتصاديًا واضحًا، إذ أعلنت الحكومة الكندية أن رئيس الوزراء سيعرض أمام المستثمرين وكبار رجال الأعمال استراتيجية كندا الجديدة لجذب الاستثمارات، في إطار خطة تهدف إلى تحفيز استثمارات تصل إلى تريليون دولار خلال خمس سنوات. وتقدّم أوتاوا نفسها في هذه المرحلة بوصفها قوة في الطاقة والمعادن الحرجة، وسوقًا مستقرة قادرة على جذب رؤوس الأموال في عالم أكثر اضطرابًا.

 

وقال كارني إن كندا والولايات المتحدة بحاجة إلى “شراكة حقيقية” تعيد تخيل التعاون في قطاعات تواجه منافسة عالمية شديدة، وفي مقدمتها السيارات، والألومنيوم، والطاقة، والمعادن الحرجة. واعتبر أن التعاون بين البلدين لا يجب أن يقوم فقط على حماية الماضي، بل على بناء قدرة مشتركة لمنافسة العالم في سلاسل توريد أصبحت أكثر حساسية سياسيًا واقتصاديًا.

 

وتأتي هذه الدعوة في لحظة دقيقة للعلاقات التجارية بين البلدين. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب يستعد لاتخاذ قرار بشأن مستقبل اتفاق التجارة الحرة بين كندا والولايات المتحدة والمكسيك، المعروف اختصارًا بـ USMCA أو CUSMA، بينما تراقب أوتاوا بقلق أي محاولة لإدخال مراجعات متكررة أو شروط جديدة قد تزيد عدم اليقين أمام الشركات والمستثمرين.

 

ورغم النبرة التصالحية التي استخدمها كارني في نيويورك، لم يخفِ رئيس الوزراء الكندي أن أوتاوا تريد تقليل اعتمادها الزائد على السوق الأميركية. فقد تحدث عن تنويع الشراكات التجارية، وزيادة الاستقلال الاستراتيجي لكندا، معتبرًا أن العالم دخل مرحلة بات فيها الاندماج الاقتصادي نفسه أداة ضغط سياسي، وأن الدولة التي لا تستطيع تأمين غذائها وطاقتها ودفاعها لا تكون ذات سيادة كاملة.

 

وفي ملف الألومنيوم، قدّم كارني كندا باعتبارها شريكًا لا يمكن تعويضه بسهولة، مشيرًا إلى أن صادرات الألومنيوم الكندية إلى الولايات المتحدة تعادل من حيث الطاقة ما تنتجه عشرة سدود بحجم “هوفر”. أما في قطاع السيارات، فأكد أن السوق الأميركية والكندية المتكاملة هي الطريق الأكثر قدرة على مواجهة المنافسة العالمية، خصوصًا في ظل إعادة تشكيل سلاسل الإمداد وارتفاع كلفة الإنتاج.

 

وفي قطاع الطاقة والمعادن الحرجة، شدد كارني على أن كندا توفر للولايات المتحدة مصادر موثوقة للنمو الصناعي والتكنولوجي، من الغاز الطبيعي والكهرباء والنفط إلى البوتاس والنيكل والنحاس واليورانيوم. وبحسب تصريحاته، تأتي 99 في المئة من واردات الولايات المتحدة من الغاز الطبيعي، و85 في المئة من وارداتها من الكهرباء، و60 في المئة من وارداتها من النفط الخام من كندا، وهي أرقام تجعل العلاقة بين البلدين أعمق من مجرد تفاوض تجاري عابر.

 

ويعكس خطاب نيويورك محاولة من كارني لرسم توازن جديد في السياسة الاقتصادية الكندية: شراكة أوثق مع واشنطن في الملفات التي تخدم الطرفين، مع استقلال أكبر في القرار التجاري والاستثماري. وهذا التوازن يبدو ضروريًا لحكومة كندية تريد طمأنة المستثمرين الأميركيين، من دون أن تظهر وكأنها تعود إلى الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة بعد سنوات من التوتر والرسوم الجمركية.

 

كما أن حديث كارني يأتي بعد سلسلة تحركات كندية لتنويع العلاقات الاقتصادية والأمنية، من بينها توقيع اتفاقات جديدة خارج السوق الأميركية، والسعي إلى مضاعفة الصادرات الكندية إلى أسواق أخرى خلال العقد المقبل. وفي الخلفية، تظل مراجعة اتفاق USMCA اختبارًا حاسمًا: هل ينجح البلدان في تحديث الشراكة وفق مصالح مشتركة، أم تدخل العلاقة التجارية الأكبر لكندا في مرحلة جديدة من عدم اليقين؟

.

Authors

النشرة البريدية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!