الوضع المظلم
كندا تدخل مرحلة دفاعية جديدة وسط ضغوط أميركية وأطلسية

كندا تدخل مرحلة دفاعية جديدة وسط ضغوط أميركية وأطلسية

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

تتحرك كندا نحو واحدة من أكبر التحولات الدفاعية في تاريخها الحديث، في وقت تتزايد فيه الضغوط الأميركية والأطلسية على دول حلف الناتو لرفع الإنفاق العسكري وتعزيز الجاهزية أمام التهديدات العالمية، خصوصاً الحرب الروسية على أوكرانيا، وتصاعد التوترات في القطب الشمالي وأوروبا الشرقية.

 

وخلال قمة الناتو في أنقرة، قال رئيس الوزراء مارك كارني إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب “ربح الجدل” بشأن ضرورة زيادة الإنفاق الدفاعي داخل الحلف، موضحاً أن الدول الأعضاء بدأت بالفعل في تعزيز قدراتها العسكرية بعد سنوات من الضغط الأميركي المتكرر على الحلفاء لتحمل نصيب أكبر من كلفة الدفاع الجماعي. ونقلت The Canadian Press عن كارني قوله إن التحول في موقف الحلفاء “يكتسب زخماً”، وإن الأمر لم يعد مجرد نقاش بل أصبح اتجاهاً فعلياً داخل الناتو.

 

هذا التصريح يعكس تغيراً واضحاً في خطاب أوتاوا الدفاعي. فبعد سنوات من الانتقادات الموجهة إلى كندا بسبب عدم بلوغها هدف الناتو البالغ 2% من الناتج المحلي الإجمالي، أعلن مكتب رئيس الوزراء أن كندا حققت هذا الهدف في مارس 2026، وأنها تسير نحو الوصول إلى هدف جديد يبلغ 5% بحلول عام 2035، ضمن تعهدات الحلفاء الجديدة لتعزيز الأمن الجماعي.

وبحسب بيان مكتب رئيس الوزراء، لم تعد كندا تكتفي بزيادة الإنفاق فقط، بل تعمل على إعادة بناء موقعها الدفاعي عبر شبكة أوسع من الشراكات. فقد أكد كارني قبل توجهه إلى قمة الناتو أن حكومته “تعيد بناء وتسليح والاستثمار في القوات المسلحة الكندية”، معتبراً أن القيادة الكندية لم تعد تقاس فقط بقوة القيم، بل أيضاً “بقيمة القوة”.

 

ومن أبرز ملامح هذا التحول، إعلان كندا مشروع بنك الدفاع والأمن والمرونة، وهو مبادرة تقودها أوتاوا لتوفير تمويل طويل الأجل ومنخفض التكلفة لمشروعات الدفاع والأمن والقدرة على الصمود. ووفقاً لمكتب رئيس الوزراء، أبدت ثماني دول دعمها للمبادرة الكندية، هي ألبانيا وبلجيكا واليونان ولاتفيا ولوكسمبورغ ورومانيا وتركيا وأوكرانيا، على أن يكون مقر البنك في كندا.

 

وتشير وكالة Reuters إلى أن المبادرة، عند احتساب كندا، تضم تسع دول ملتزمة، وتهدف إلى جمع ما يصل إلى 100 مليار جنيه إسترليني، أي نحو 134 مليار دولار أميركي، لتقديم تمويل وضمانات قروض لمشروعات دفاعية بين الدول الحليفة، في محاولة لتسريع الإنتاج العسكري وخفض كلفته في مواجهة تهديدات من روسيا والصين.

 

وفي مسار موازٍ، دخلت كندا مرحلة جديدة في تحديث قواتها البحرية، بعد اختيار شركة Thyssenkrupp Marine Systems الألمانية كمورد مفضل لمشروع الغواصات الكندية، الذي وصفه مكتب رئيس الوزراء بأنه أكبر عملية شراء دفاعية في تاريخ البلاد. المشروع قد يشمل ما يصل إلى 12 غواصة، ويهدف إلى تعزيز قدرة كندا على حماية سواحلها وممراتها البحرية ومصالحها في القطب الشمالي.

 

وتأتي هذه الخطوات بينما تحاول كندا توسيع حضورها داخل الجناح الشرقي لحلف الناتو. ففي لقاء كارني مع رئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، أكد مكتب رئيس الوزراء أن كندا ستنضم إلى لاتفيا والدنمارك كـ “دولة إطار” ثالثة في قيادة Multinational Division North التابعة للناتو، وهي قيادة عالية الجاهزية معنية بحماية منطقة شمال بحر البلطيق وتنسيق العمليات العسكرية والمعلومات والتدريبات.

 

كما ربطت أوتاوا هذا التحول الدفاعي بدعم أوكرانيا. فخلال لقاء كارني بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على هامش قمة الناتو، أعلن رئيس الوزراء مساعدات عسكرية جديدة ضمن التزام كندي يبلغ 2.8 مليار دولار هذا العام، بينها 475 مليون دولار لشراء الذخيرة، ونحو 400 مليون دولار لبناء 35 مركبة مدرعة كندية الصنع، إضافة إلى 50 مليون دولار لتوفير معدات تقنية وهندسية حيوية.

 

لكن هذا التحول لا يخلو من تحديات داخلية. فزيادة الإنفاق الدفاعي بهذا الحجم تعني ضغطاً إضافياً على الميزانية الفيدرالية، في وقت يواجه فيه الكنديون ارتفاع تكاليف المعيشة وأزمات في السكن والصحة والخدمات. كما أن ربط السياسة الدفاعية بضغوط واشنطن قد يفتح نقاشاً سياسياً واسعاً حول مدى استقلال القرار الكندي، وحدود التوازن بين الالتزام الأطلسي والمصالح الوطنية.

 

ومع ذلك، تبدو رسالة حكومة كارني واضحة: كندا لم تعد تريد أن تظهر كحليف يتأخر عن التزاماته الدفاعية، بل كدولة تسعى إلى قيادة مبادرات جديدة داخل الناتو، وتمويل القدرات العسكرية، وتوسيع الشراكات العابرة للأطلسي. وبين ضغط أميركي لا يتراجع، ومطالب أطلسية متصاعدة، تدخل كندا بالفعل مرحلة دفاعية مختلفة، عنوانها الإنفاق الأكبر، والتحالفات الأوسع، والرهان على صناعة دفاعية أكثر حضوراً في الداخل والخارج.