من يحمي الكنديين على الإنترنت.. ومن يحميهم من المنظم الرقمي؟
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
تستعد كندا لإعادة رسم علاقتها بالعالم الرقمي عبر إنشاء جهة تنظيمية جديدة تتمتع بصلاحيات واسعة لمراقبة منصات التواصل الاجتماعي وروبوتات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب الإشراف على كيفية جمع الشركات بيانات الكنديين واستخدامها.
الفكرة تبدو مطمئنة في ظاهرها: جهة قوية تستطيع محاسبة الشركات العالمية، وحماية الأطفال من المحتوى الضار، وملاحقة الانتهاكات التي تتجاوز قدرة القوانين القديمة. لكن السؤال الذي بدأ يفرض نفسه في الأوساط القانونية والتقنية هو: من سيراقب هذه الجهة عندما تصبح مسؤولة في الوقت نفسه عن السلامة الرقمية والخصوصية وتنظيم المحتوى؟
قدمت الحكومة الليبرالية خلال يونيو 2026 مشروعي قانون يشكلان معاً البنية الأساسية للنظام الجديد. الأول هو مشروع القانون C-34، المعروف باسم قانون وسائل التواصل الاجتماعي الآمنة، والذي يستهدف منصات التواصل وخدمات البث المباشر وبعض روبوتات المحادثة المدعومة بالذكاء الاصطناعي. أما الثاني، C-36، فيقترح تحديث قواعد حماية المعلومات الشخصية وحقوق المستهلكين في الاقتصاد الرقمي. ولا يزال المشروعان في المراحل البرلمانية الأولى ولم يتحولا إلى قانون نافذ حتى الآن.
وبموجب الخطة الحكومية، ستتولى «لجنة السلامة الرقمية وحماية البيانات في كندا» إدارة الملفين معاً، بدلاً من توزيع المسؤوليات بين أكثر من جهة. وستراقب كيفية تعامل المنصات مع المحتوى الضار، وتضع قواعد سلامة للأطفال، وتراجع أنظمة التحقق من العمر، وتشرف أيضاً على تطبيق قانون الخصوصية على شركات القطاع الخاص.
لماذا ترى الحكومة أن كندا تحتاج إلى جهة قوية؟
تقول الحكومة إن القوانين الحالية تتدخل غالباً بعد وقوع الضرر، بينما لا توجد التزامات كافية تجبر المنصات على منع الخطر قبل حدوثه. ولهذا يفرض مشروع C-34 على الشركات تقييم المخاطر، وتوفير أدوات لحظر المستخدمين والإبلاغ عن المحتوى، ووضع علامات على المواد المصنوعة بالذكاء الاصطناعي، ونشر خطط دورية للسلامة الرقمية.
كما يقترح منع الأطفال دون سن 16 عاماً من إنشاء حسابات على بعض منصات التواصل، إلا إذا أثبتت المنصة أنها توفر ضمانات كافية لحمايتهم. ويمتد التنظيم إلى روبوتات الذكاء الاصطناعي، التي ستكون مطالبة بتقليل مخاطر تقديم محتوى ضار أو الدخول في سلوكيات خطرة، إلى جانب وضع آليات للتدخل في حالات الأزمات.
أما مشروع الخصوصية C-36، فيمنح الكنديين حقوقاً أوسع، بينها طلب حذف بياناتهم الشخصية، ومعرفة متى تستخدم الشركات أنظمة آلية لاتخاذ قرارات مهمة بشأنهم، وفرض معايير أعلى عند التعامل مع بيانات الأطفال. كما يصف الخصوصية بأنها حق أساسي، ويلزم الشركات بتقديم تفسيرات واضحة ومفهومة عن طريقة جمع المعلومات واستخدامها.
وتزداد قوة الحجة المؤيدة للتنظيم مع ظهور حالات واقعية يصعب التعامل معها بالقانون الحالي. ففي يونيو، خلص مفوض الخصوصية الكندي إلى أن أداة توليد الصور التابعة لروبوت Grok أُطلقت دون ضمانات كافية، ما سمح بإنتاج صور جنسية مزيفة لأشخاص حقيقيين، بينهم نساء وأطفال. لكن المفوض أوضح أن القانون الحالي لا يمنحه سلطة إصدار أوامر ملزمة للشركات، وهو ما تعتبره الحكومة دليلاً على الحاجة إلى أدوات إنفاذ أقوى.
أين يبدأ القلق؟
المشكلة ليست في هدف حماية الأطفال أو فرض احترام الخصوصية، بل في حجم السلطات التي ستُجمع داخل مؤسسة واحدة.
فالجهة المقترحة لن تكون مجرد مكتب يستقبل الشكاوى، بل ستكون قادرة على وضع معايير، وإجراء عمليات تفتيش وتحقيق، وإصدار أوامر ملزمة، وتحديد ما إذا كانت وسائل التحقق من العمر تحمي الخصوصية، واتخاذ قرار بشأن إعفاء بعض المنصات من حظر حسابات من تقل أعمارهم عن 16 عاماً. كما يمكن أن تواجه الشركات غرامات بملايين الدولارات أو نسباً من إيراداتها العالمية عند ارتكاب مخالفات جسيمة.
ولهذا وصف أستاذ القانون في جامعة أوتاوا مايكل غايست الجهة المقترحة بأنها «منظم رقمي فائق»، محذراً من أن عدداً محدوداً من الأعضاء سيشرف على تنظيم المحتوى وخطاب المستخدمين، وفي الوقت نفسه يقرر كيفية تعامل الشركات في مختلف قطاعات الاقتصاد مع البيانات الشخصية.
وتشير أستاذة القانون تيريزا سكاسا إلى أن دمج الملفات قد يوفر تنسيقاً أفضل، لكنه يهدد بتبديد الخبرة التي بناها مكتب مفوض الخصوصية على مدى سنوات، فضلاً عن احتمال حدوث فترة انتقالية مضطربة لا تحظى خلالها حقوق الخصوصية بالحماية الكافية.
استقلالية الجهة تحت الاختبار
من أكثر نقاط الجدل حساسية أن الإشراف على خصوصية القطاع الخاص سينتقل، بموجب المقترح، من مفوض الخصوصية الحالي إلى اللجنة الجديدة. وسيظل المفوض الحالي مسؤولاً بصورة أساسية عن قانون الخصوصية الذي يغطي المؤسسات الحكومية.
مفوض الخصوصية الحالي وكيل مستقل للبرلمان، وهو وضع يحد من قدرة الحكومة على توجيه قراراته. أما أعضاء اللجنة الجديدة، وعددهم من ثلاثة إلى خمسة أعضاء بدوام كامل، فسيعينهم الحاكم العام بناءً على توصية مجلس الوزراء، مع تعيين الرئيس بالطريقة نفسها. كما يسمح مشروع القانون للوزير بطلب تقارير ومعلومات من اللجنة ضمن نطاق اختصاصها.
ولا يعني ذلك تلقائياً أن اللجنة ستكون أداة سياسية، فالأعضاء سيشغلون مناصبهم خلال «حسن السلوك» ولا يمكن عزلهم إلا لسبب، كما ستكون بعض قراراتها قابلة للطعن أمام المحكمة الفيدرالية. لكن هذا الهيكل يفتح نقاشاً مشروعاً حول المسافة التي يجب أن تفصل الجهة المنظمة للمحتوى والبيانات عن الحكومة القائمة.
حماية العمر قد تتحول إلى جمع جديد للبيانات
يفرض حظر حسابات الأطفال سؤالاً عملياً آخر: كيف ستعرف المنصة عمر المستخدم؟
قد تتطلب وسائل التحقق رفع وثيقة هوية أو استخدام تقنيات لتقدير العمر من الوجه أو الاعتماد على جهات خارجية، وهي وسائل يمكن أن تنتج عنها قواعد بيانات حساسة. ويحاول مشروع C-34 معالجة هذا الخطر عبر اشتراط استخدام المعلومات فقط للتحقق من العمر، وحمايتها خلال العملية، ثم إتلافها فور انتهاء التحقق أو التقدير. لكن نجاح هذه الضمانات سيعتمد على اللوائح والتقنيات المستخدمة وقدرة الجهة المنظمة على التدقيق الفعلي في الشركات.
المعادلة التي تواجهها كندا ليست بين التنظيم وغيابه، بل بين تنظيم قادر على مواجهة شركات عملاقة، ونظام يضمن ألا تتحول الحماية إلى مراقبة جديدة أو إلى سلطة إدارية يصعب محاسبتها.
الكنديون يحتاجون إلى جهة تستطيع إلزام المنصات بحماية الأطفال والخصوصية، لكنهم يحتاجون بالقدر نفسه إلى ضمان استقلال هذه الجهة، ووضوح قراراتها، وحق المواطنين في الطعن عليها، والفصل الدقيق بين مواجهة الضرر المشروع وبين التحكم في التعبير.
فالإنترنت لا يصبح أكثر أمناً بمجرد إنشاء منظم أقوى. يصبح آمناً عندما تخضع المنصات والمنظم معاً لقواعد واضحة، ورقابة مستقلة، ومحاسبة لا تستثني أحداً.
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly5375 المقالات
منشورات شائعة
-
بنك كندا: تراجع الهجرة وش...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 9, 2026
-
بلاغ كاذب من خارج كندا يغ...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 10, 2026
-
واحد من كل ثلاثة شباب شمل...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 9, 2026
-
تتعشى ثم تنام مباشرة؟ درا...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 10, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!