الوضع المظلم
نساء عربيات صنعن أثرًا في كندا

نساء عربيات صنعن أثرًا في كندا

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

في كندا، لا تُقاس قصة النجاح العربي فقط بعدد من وصلوا إلى المناصب، بل بحجم الأثر الذي تركوه في حياة الناس، وفي المؤسسات، وفي صورة الجاليات العربية داخل بلد متعدد الثقافات. ومن المختبرات العلمية إلى البرلمان، ومن الدفاع عن الحقوق إلى ريادة التكنولوجيا والكتابة، برزت نساء عربيات قدمن نماذج مختلفة لمعنى أن تتحول تجربة الهجرة أو الجذور العربية إلى قوة ناعمة داخل المجتمع الكندي.

 

هذا التقرير لا يحصر كل الأسماء، لكنه يضيء على نماذج تركت بصمتها في مجالات مختلفة، وفتحت الطريق أمام أجيال جديدة من النساء العربيات والكنديات من أصول مهاجرة.

 

تأتي الدكتورة منى نمر في مقدمة الأسماء العربية التي وصلت إلى قلب صناعة القرار العلمي في كندا. وُلدت في لبنان، ودرست الدكتوراه في الكيمياء في جامعة ماكغيل، ثم أصبحت من أبرز الباحثات في مجال البيولوجيا الجزيئية وأمراض القلب. وتشغل منصب كبيرة مستشاري العلوم في كندا، بعد مسار أكاديمي طويل شمل عملها نائبة لرئيس الأبحاث في جامعة أوتاوا ومديرة مختبر علم الوراثة الجزيئي وتجدد القلب. وقد نشرت أكثر من 200 بحث علمي، وأسهمت في تعزيز موقع العلم داخل السياسات العامة الكندية.

 

ولا تبرز أهمية منى نمر فقط في إنجازها العلمي، بل في رمزية موقعها. فهي تمثل نموذجًا لعالمة عربية كندية استطاعت أن تنقل خبرتها من المختبر إلى طاولة القرار، في بلد يحتاج إلى صوت علمي موثوق في ملفات الصحة، والابتكار، والسياسات المبنية على الأدلة.

 

وفي السياسة، تبقى فاطمة هدى ببين واحدة من الشخصيات المغربية الكندية التي فتحت بابًا مبكرًا أمام حضور النساء العربيات في الحياة العامة. وُلدت في مكناس بالمغرب، ووصلت إلى كندا عام 1976، ثم درست في جامعات لافال، وأوتاوا، وماكغيل، ومونتريال. شغلت مقعدًا في الجمعية الوطنية في كيبيك عن دائرة La Pinière من عام 1994 إلى 2014، وتولت منصب النائبة الأولى لرئيس الجمعية الوطنية، في مسار سياسي امتد لعقدين.

 

حضور هدى ببين كان مهمًا لأنه جاء في لحظة لم يكن فيها تمثيل النساء العربيات والمسلمات داخل المؤسسات السياسية الكندية أمرًا مألوفًا. وبغض النظر عن الجدل الذي رافق بعض مواقفها السياسية، فإن مسارها يبقى جزءًا من تاريخ المشاركة العربية في السياسة الكندية، ومن قصة النساء اللواتي دخلن مؤسسات القرار قبل أن تصبح هذه الصورة أكثر انتشارًا.

 

ومن جيل سياسي أحدث، تبرز رُبى غزال، النائبة في الجمعية الوطنية في كيبيك عن دائرة Mercier وقيادية في حزب Québec solidaire. وُلدت في بيروت لعائلة فلسطينية، ووصلت إلى كيبيك في طفولتها، ثم بنت حضورًا سياسيًا فرنكوفونيًا واضحًا داخل واحدة من أكثر الساحات السياسية تعقيدًا في كندا. وتعرض الجمعية الوطنية في كيبيك غزال بصفتها نائبة عن Mercier، ورئيسة المجموعة المعارضة الثانية، ومتحدثة باسمها في ملفات منها النسوية والقومية الشاملة.

 

قصة رُبى غزال لا تتعلق فقط بالوصول إلى البرلمان، بل بقدرة امرأة من خلفية لاجئة وفلسطينية على أن تصبح جزءًا من النقاش العام في كيبيك حول الهوية، واللغة، والعدالة الاجتماعية، وتمثيل النساء. إنها نموذج لجيل عربي كندي جديد لا يكتفي بالاندماج، بل يشارك في صياغة الأسئلة السياسية الكبرى.

 

وفي مجال الحقوق والحياة العامة، تمثل أميرة الغوابي نموذجًا آخر للحضور العربي الكندي. فقد عُينت عام 2023 أول ممثلة خاصة لكندا لمكافحة الإسلاموفوبيا، بعد مسار كصحفية وناشطة في حقوق الإنسان. وارتبط دورها بدعم جهود الحكومة الفدرالية في مواجهة الكراهية ضد المسلمين وتعزيز الوعي بتنوع هويات المسلمين في كندا. وفي فبراير 2026، انتهت مهمتها ضمن تغيير حكومي أوسع استبدل المكتب بمجلس استشاري جديد للحقوق والمساواة والإدماج.

 

أهمية تجربة الغوابي أنها جاءت من قلب النقاش الكندي حول الكراهية، والهوية، وحرية التعبير، وحماية المجتمعات المستهدفة. وقد حملت تجربتها مساحة حساسة، لأنها جمعت بين العمل الصحفي، والدفاع الحقوقي، والعمل الحكومي في ملف شديد التعقيد.

 

وفي التكنولوجيا الصحية، تقدم هدى إدريس نموذجًا مختلفًا للمرأة العربية التي دخلت مجال الابتكار من بوابة حاجة يومية تمس حياة الناس. فهي مهندسة وخريجة جامعة تورونتو، ومؤسسة Dot Health، وهي منصة تهدف إلى تمكين المرضى من الوصول إلى معلوماتهم الصحية وإدارتها ومشاركتها بطريقة آمنة. وكرمتها جامعة تورونتو عام 2019 ضمن جوائز YWCA Toronto Young Woman of Distinction، مشيرة إلى دورها في استخدام التكنولوجيا لتسهيل وصول الناس إلى بياناتهم الصحية.

 

قصة هدى إدريس مهمة لأنها تضع المرأة العربية في مساحة لا تزال شديدة التنافسية، وهي مساحة الشركات الناشئة والتكنولوجيا الصحية. فهي لا تقدم نجاحًا فرديًا فقط، بل تطرح سؤالًا عمليًا عن علاقة المرضى ببياناتهم، وحقهم في فهم تاريخهم الصحي، وقدرتهم على التحكم في معلومات قد تؤثر على قرارات علاجية مهمة.

 

أما في الكتابة والتعليم والخطاب الإنساني، فتبرز نجوى زيبيان، الكاتبة والناشطة والمتحدثة اللبنانية الكندية. تقدم نفسها كمعلمة وكاتبة وصاحبة دكتوراه في القيادة التعليمية، وقد بنت جمهورًا واسعًا من خلال نصوص ومحاضرات تركز على الوعي الذاتي، والشفاء العاطفي، والكرامة الشخصية.

 

قيمة نجوى زيبيان أنها أخذت تجربة الهجرة، واللغة، والجروح الشخصية، وحولتها إلى خطاب مفهوم لجمهور واسع، خصوصًا النساء والشباب الذين يبحثون عن صوت يعبر عن هشاشتهم من دون أن يقلل من قوتهم. وفي زمن أصبحت فيه الصحة النفسية والوعي الذاتي جزءًا من النقاش العام، صنعت زيبيان حضورًا يتجاوز حدود الجالية إلى جمهور كندي ودولي أوسع.

 

هذه النماذج تكشف أن البصمة العربية النسائية في كندا ليست واحدة. هناك من تركت أثرها في العلم، ومن صنعت حضورًا في البرلمان، ومن دافعت عن الحقوق، ومن حولت التكنولوجيا إلى أداة لخدمة المرضى، ومن كتبت بلغة قريبة من القلب. وما يجمع بينهن أن كل واحدة وسعت صورة المرأة العربية في كندا، ودفعت بها خارج الصور النمطية الضيقة.

 

في بلد يقوم على الهجرة والتنوع، تصبح هذه القصص أكثر من سيرة نجاح. إنها جزء من الذاكرة الكندية نفسها، ودليل على أن النساء العربيات لم يأتين فقط ليبدأن حياة جديدة، بل جئن أيضًا ليضفن إلى هذا البلد علمًا، وصوتًا، وفكرًا، وقيادة، وأثرًا يبقى.