الوضع المظلم
مهاجرات خارج الصندوق | لم تنتظر من يفتح لها الباب.. سارة أساليا صنعت الباب بنفسها

مهاجرات خارج الصندوق | لم تنتظر من يفتح لها الباب.. سارة أساليا صنعت الباب بنفسها

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

ليست كل بداية ضعيفة دليلًا على طريق خاطئ. أحيانًا يبدأ النجاح من مكان بعيد تمامًا عن الهدف، لكن الفارق يكون في الطريقة التي نتعامل بها مع هذه البداية: هل تصبح حكمًا على ما نستطيع الوصول إليه، أم نقطة نكتشف منها ما ينقصنا ونبدأ في بنائه؟

 

قصة سارة أساليا مثال واضح على الاحتمال الثاني.

عندما وصلت الفلسطينية القادمة من قطاع غزة إلى كندا، جاءت بتعليم وخبرة مهنية سابقة، لكنها اصطدمت بمشكلة لم يكن الاجتهاد وحده كافيًا لحلها: لم تستطع إثبات جزء أساسي من تاريخها الأكاديمي.

 

الجامعة التي درست فيها تعرضت للقصف أكثر من مرة، وضاعت سجلاتها. وعندما حاولت مواصلة تعليمها في كندا، كان عليها تقديم سجل أكاديمي رسمي ترسله جامعتها السابقة مباشرة. وثيقة بدت شرطًا روتينيًا في طلب الالتحاق، لكنها بالنسبة إليها لم تعد موجودة أصلًا.

 

قالت سارة لاحقًا أمام لجنة في برلمان أونتاريو إنها رُفضت أكثر من مرة لهذا السبب، وإنها اضطرت إلى البدء من جديد وأخذ مقررات دراسية لإعادة بناء مسارها التعليمي في كندا.

لكن التعثر في التعليم لم يكن التحدي الوحيد.

 

حين دخلت سوق العمل، لم تكن سنوات خبرتها السابقة واضحة أمام أصحاب العمل الكنديين أيضًا. تقول سارة إن أحد المسارات التي وُجهت إليها كان العمل في مصنع، بينما كانت أول وظيفة حصلت عليها في كندا في Tim Hortons.

وهي تروي هذه البداية من دون خجل أو انتقاص من قيمة العمل، بل تقول إنها تعلمت منه الكثير. ما كان يؤلمها هو شعورها بأنها تفقد مهارات بنتها طوال سنوات، وأن مؤهلاتها السابقة لم تعد تقودها إلى عمل يتناسب معها.

 

هنا كان يمكن أن تتحول البداية المؤقتة إلى واقع دائم.

لكن سارة بدأت تفعل شيئًا مختلفًا: لم تستهلك كل طاقتها في محاولة إثبات أن النظام أخطأ في تقديرها؛ بدأت في بناء أشياء جديدة لا يستطيع تجاهلها.

 

أول ما بنته لم يكن شهادة.. بل شبكة

تقول سارة إن سنواتها الأولى في كندا كانت صعبة، وإنها وصلت تقريبًا من دون شبكة علاقات أو نظام دعم تعتمد عليه.

وبعد شهرين أو ثلاثة فقط من وصولها، بدأت التطوع مع منظمات تعمل مع المهاجرين والقادمين الجدد.

كانت خطوة بسيطة، لكنها عالجت واحدة من أكبر نقاط ضعفها: أن أحدًا في البلد الجديد لا يعرفها.

 

التطوع لم يمنحها راتبًا كبيرًا أو منصبًا، لكنه وضعها وسط المجال الذي تريد أن تفهمه، وربطها بأشخاص ومؤسسات، وكشف لها من الداخل كيف يتعامل النظام مع المهاجرين وأين توجد ثغراته.

أي أن سارة لم تنتظر حتى تمتلك شبكة علاقات لكي تبدأ.

 

بدأت العمل، ومن خلال العمل بنت الشبكة.

وعندما تعطل تعليمها القديم.. بنت جسرًا جديدًا

عادت سارة إلى الدراسة، لكن اختيارها لم يكن عشوائيًا.

 

درست في Toronto Metropolitan University، التي كانت تُعرف حينها باسم Ryerson، وحصلت على تأهيل في Community Engagement, Leadership and Development، كما درست Immigration and Settlement Studies. وأكملت لاحقًا ماجستيرًا في التعليم العالي في University of Toronto. وهي تحمل أصلًا بكالوريوس في اللغة الإنجليزية وآدابها.

 

بهذا الاختيار، لم تكن تحاول فقط تعويض أوراق فقدتها.

كانت تبني تخصصًا جديدًا حول قضايا أصبحت تعرفها من تجربتها الشخصية: الهجرة، والاندماج، والتعليم، وطريق القادم الجديد داخل المؤسسات الكندية.

لكن الدراسة فعلت شيئًا آخر لم يكن مخططًا له.

كشفت أمامها مشكلة.

 

دخلت الجامعة كطالبة.. فرأت فراغًا لم يملأه أحد

داخل الجامعة، عاشت سارة بعض الصعوبات التي يعيشها طلاب مهاجرون ولاجئون كثيرون وهم يحاولون فهم نظام تعليمي جديد وبناء علاقات داخله.

وبدل أن تفترض أن تجربتها تخصها وحدها، بدأت تسأل الآخرين.

 

عقدت لقاءات فردية ومجموعات نقاش مع مهاجرين وقادمين جدد، واستمعت إلى تجاربهم. وكان بين من التقتهم نساء يحاولن الجمع بين الدراسة ومصاريف الحياة ورعاية الأطفال.

ومن هذه اللقاءات اتضح لها أن هناك فراغًا حقيقيًا: طلاب مهاجرون ولاجئون يحتاجون إلى مساحة تساعدهم على بناء العلاقات وفهم النظام ودعم بعضهم بعضًا.

 

وهنا خرجت سارة خارج الصندوق للمرة الثانية.

لم تنتظر حتى تصبح مسؤولة كبيرة لكي تقترح حلاً.

ولم تبدأ بطلب ميزانية ضخمة أو مؤسسة كاملة.

بدأت بشبكة صغيرة للإرشاد.

 

وفي 2016 تحولت الفكرة إلى Newcomer Students’ Association، وهي مجموعة أسستها لدعم الطلاب المهاجرين واللاجئين والدوليين داخل الجامعة.

وهنا حدث تحول مهم جدًا في مسارها.

المشكلة التي كانت تبحث عن حل لها بدأت في الوقت نفسه تصنع خبرتها المهنية الجديدة.

 

الفكرة الصغيرة أصبحت مكانًا تتعلم فيه القيادة

حين تؤسس مبادرة، لا يكفي أن تكون الفكرة جيدة.

عليك أن تتحدث مع الناس، وتفهم احتياجاتهم، وتنظم العمل، وتبحث عن شركاء وتمويل، وتدير فعاليات، وتحل المشكلات عندما لا تسير الأمور كما خططت لها.

 

وهذه كانت خبرة لا تستطيع ورقة أكاديمية مفقودة أن تمحوها.

كبرت Newcomer Students’ Association من مبادرة طلابية إلى منظمة تعمل على قضايا الطلاب المهاجرين واللاجئين، وقادتها سارة لست سنوات. وفي الوقت نفسه بنت خبرتها المهنية من خلال أدوار مختلفة في University of Toronto وRyerson شملت البحث والعمليات وإدارة المشروعات والفعاليات وإشراك الطلاب وضمان الجودة.

وهكذا بدأ المسار يتغير.

 

في البداية كانت المشكلة: ليس لديها سجل كندي يستطيع الناس الحكم من خلاله على قدراتها.

بعد سنوات، أصبح لديها مشروع أسسته، ومنظمة أدارتها، وأعمال داخل جامعات كندية، وشبكة مهنية، وخبرة فعلية يستطيع أي صاحب عمل تقييمها.

لم تختف العقبة بسحر.

سارة بنت حولها طريقًا آخر.

 

لم تقفز إلى منصب المديرة التنفيذية

وهنا نصل إلى السؤال الذي قد يخطر في ذهن أي امرأة تقرأ القصة:

كيف انتقلت من تلك البداية إلى أن تصبح مديرة تنفيذية؟

الإجابة أنها لم تنتقل إليها مباشرة.

 

منذ 2019 عملت سارة مع Newcomer Women’s Services Toronto، ووصلت داخل المؤسسة إلى منصب Senior Manager of Programs and Strategic Initiatives، حيث قادت ملفات وبرامج مرتبطة بتطوير المهارات والمساواة والعنف القائم على النوع والاندماج.

وفي الوقت نفسه، كانت تحمل وراءها ست سنوات من قيادة Newcomer Students’ Association، إضافة إلى خبرتها في الجامعات والبحث والعمل المجتمعي.

 

وعندما أعلن مجلس إدارة Newcomer Women’s Services Toronto في مارس 2022 اختيارها مديرة تنفيذية، جاء القرار بعد عملية بحث للمنصب، وبعد أن أصبح لديها سجل مهني وإداري كامل داخل كندا.

أي أن المسافة بين Tim Hortons ومكتب المديرة التنفيذية لم تُقطع بقفزة واحدة.

قُطعت بمجموعة خطوات، بعضها بدا صغيرًا جدًا وقتها:

 

وظيفة أولى تعلمت منها.

تطوع أدخلها إلى المجال.

دراسة اختارتها في اتجاه يخدم المسار الذي تريد بناءه.

شبكة علاقات بدأت من الصفر.

مشكلة لاحظتها وحولتها إلى فكرة.

 

وفكرة تحولت إلى مشروع منحها فرصة ممارسة القيادة قبل أن يمنحها أحد لقب «قائدة».

وما الذي يمكن أن تأخذه امرأة أخرى من تجربتها؟

قصة سارة لا تقول إن الحل لكل مهاجرة هو العودة إلى الجامعة.

ولا أن على كل امرأة تأسيس منظمة.

 

لكنها تكشف طريقة مختلفة في التعامل مع العوائق.

إذا كان الطريق الذي جئتِ به لا يعمل في البلد الجديد، فالسؤال ليس دائمًا: لماذا لا يعترفون بي؟

قد يصبح السؤال الأكثر فائدة: ما القطعة التي تنقصني الآن، وكيف أستطيع بناءها؟

 

إذا كانت المشكلة غياب الخبرة المحلية، فقد تبدأ من مشروع صغير أو تطوع أو تدريب يضع قدراتك أمام أشخاص جدد.

إذا كانت المشكلة غياب شبكة العلاقات، فقد لا تحتاجين إلى انتظارها؛ يمكن أن تبدأ الشبكة من النشاط نفسه الذي تقومين به.

وإذا لاحظتِ مشكلة يعاني منها أشخاص مثلك، فقد تكون الفكرة التي تدور في رأسك أكثر من مجرد شكوى. ربما تكون بداية حل يحتاجه آخرون أيضًا.

 

حتى سارة نفسها تقول إن ترددها في التواصل وطلب المساعدة أخّر بعض خطواتها، وإنها تعلمت لاحقًا أهمية الوصول إلى الآخرين والاستفادة من الموارد المتاحة.

وهنا تكمن قيمة قصتها لـ"مهاجرات خارج الصندوق"

 

ليست في المنصب الذي وصلت إليه، ولا في الجوائز التي حصلت عليها.

القيمة في أنها حولت نقاط ضعف واضحة — أوراقًا مفقودة، وخبرة لا يراها أحد، وشبكة غير موجودة — إلى قائمة بما تحتاج إلى بنائه.

ثم بدأت، قطعة بعد أخرى.

فحين لم تجد سارة أساليا الباب مفتوحًا أمامها، لم تظل واقفة تنتظر من يفتحه. بنت ما ينقصها حتى أصبحت قادرة على صنع بابها بنفسها — وفتحت من خلاله مساحة لغيرها أيضًا.