الكلمات التي نصنع بها حياتنا
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
في الأشهر الأولى من غربتها، كانت مريم تبدأ صباحها بفتح بريدها الإلكتروني، ترسل طلبات التوظيف، ثم تنتظر. كانت تمتلك خبرة جيدة، وشهادات مناسبة، ورغبة حقيقية في أن تبدأ من جديد، لكنها كانت تسمع بعد كل رسالة رفض العبارات نفسها:
«البداية هنا صعبة في سنك»، «خبرتك السابقة لن تُحسب»، «لغتك ليست قوية بما يكفي»، و«ربما عليك أن تقبلي بأي شيء».
في البداية قاومت هذه الكلمات، ثم تسللت ببطء إلى داخلها. تحولت عبارة «الطريق صعب» إلى «ربما لا أستطيع»، ثم إلى «أنا غير مؤهلة». وبعد فترة، لم تعد تتقدم إلى الفرص التي تحتاج إلى شيء من الجرأة. لم تُغلق جميع الأبواب أمامها، لكنها توقفت تدريجيًا عن طرقها.
هذه ليست قصة عن ضعف مريم، بل عن قوة الكلمات حين تتكرر، حتى تتحول من رأي عابر إلى صوت داخلي، ومن صوت داخلي إلى اعتقاد، ومن اعتقاد إلى قرار يرسم اتجاه الحياة.
نحن لا نصف حياتنا بالكلمات فقط، بل نشارك بها في تشكيل صورتنا عن أنفسنا. وهذا لا يعني أن ترديد عبارات إيجابية سيغير الواقع بطريقة سحرية؛ فالكلمات وحدها لا تمنحنا وظيفة، ولا تحل أزمة مالية، ولا تزيل العقبات. لكنها قد تحدد الطريقة التي نرى بها أنفسنا أمام هذه العقبات.
يشير مفهوم «الكفاءة الذاتية»، الذي ارتبط بأعمال عالم النفس ألبرت باندورا، إلى أن اعتقاد الإنسان بقدرته على إنجاز مهمة يؤثر في اختياراته، وجهده، واستمراره عند مواجهة الصعوبات. فمن يعتقد أنه قادر على التعلم سيتصرف غالبًا بصورة مختلفة عمن حسم داخليًا أنه غير قادر قبل أن يبدأ.
كما يوضح العلاج المعرفي السلوكي أن أفكارنا ومشاعرنا وسلوكياتنا تؤثر بعضها في بعض. الفكرة ليست دائمًا حقيقة، لكنها قد تتحول إلى عدسة نرى من خلالها أنفسنا والعالم.
عندما يكرر الإنسان: «أنا أفشل دائمًا»، يدخل تجربته التالية متوقعًا الفشل. قد يتردد، أو يقل استعداده، أو يتجنب المحاولة، ثم يعتبر النتيجة دليلًا جديدًا على صحة اعتقاده. وهكذا لا تتنبأ الكلمات بالمستقبل، لكنها قد تدفعنا إلى سلوك يجعله أقرب إلى ما توقعناه.
والأصعب أن بعض الكلمات السلبية تأتي من أشخاص نحبهم. قد يقول أحدهم: «لقد فات أوان التغيير»، أو «لا ترفع سقف أحلامك»، وربما لا يقصد الأذى، بل ينقل إلينا خوفه أو حدود تجربته.
لكن خوف الآخرين ليس نبوءة عن مستقبلنا، وتجربتهم لا يجب أن تتحول إلى تعريف لهويتنا.
النضج لا يعني رفض النقد، بل التمييز بين النصيحة التي تمنحنا معلومات، والكلمة التي تسلب منا القدرة على المحاولة. النصيحة الصحية تقول: «الطريق يحتاج إلى استعداد، فكيف تستعد؟». أما السلبية فتقول: «لا تحاول، لأنك لن تنجح». الأولى تفتح باب التفكير، والثانية تغلقه.
وفي المقابل، حماية النفس لا تعني الوقوف أمام المرآة وترديد عبارات مبالغ فيها لا نصدقها. فقد أشارت دراسات إلى أن التأكيدات الإيجابية غير الواقعية قد تزيد شعور بعض الأشخاص ذوي التقدير المنخفض للذات بالسوء، لأن المسافة بين العبارة وما يؤمنون به داخليًا تكون واسعة.
لذلك لا تحتاج إلى أن تقول: «أنا الأفضل ولن أفشل أبدًا». يكفي أن تقول: "قد لا أعرف الطريق كله، لكنني أستطيع تعلم الخطوة التالية".
وبدلًا من «أنا ضعيف»، قل: «أنا أمر بمرحلة صعبة، لكنها ليست هويتي». وبدلًا من «لقد فات الأوان»، قل: "قد لا تكون بدايتي مبكرة، لكنها ما زالت ممكنة".
الكلمات الأكثر تأثيرًا ليست الأكثر لمعانًا، بل الأكثر صدقًا وعدلًا، لأنها لا تنكر الألم، لكنها تترك بابًا مفتوحًا للنمو.
ابدأ بمراقبة اللغة التي تستخدمها مع نفسك. عندما تخطئ، هل تقول: «ارتكبت خطأ»، أم «أنا فاشل»؟ الجملة الأولى تصف موقفًا يمكن إصلاحه، أما الثانية فتحول تجربة مؤقتة إلى حكم دائم على الإنسان كله.
توقف أمام الفكرة القاسية واسأل: من أين جاءت؟ هل هي حقيقة أم خوف؟ هل تنطبق دائمًا، أم بنيتها على تجربة واحدة؟ ما الدليل الذي يعارضها؟ وما العبارة الأكثر إنصافًا وواقعية؟ ثم اسأل نفسك: ماذا كنت سأقول لصديق عزيز لو كان يفكر بهذه الطريقة؟
ويمكنك أحيانًا أن تخاطب نفسك باسمك، كأن تقول: «يا مريم، أنت خائفة الآن، لكن ما الخطوة التي تستطيعين القيام بها؟». فهذا الأسلوب يمنح الإنسان مسافة نفسية تساعده على رؤية الموقف بهدوء أكبر، بدلًا من الغرق داخله.
بعد أشهر من التراجع، التقت مريم امرأة مرت بتجربة مشابهة، فقالت لها: "ربما لم يرفضوك لأنك لا تستحقين، بل لأنك تحتاجين إلى عرض خبرتك بطريقة يفهمها هذا السوق".
نقلتها هذه الجملة من سؤال: «ما الخطأ فيَّ؟» إلى سؤال: "ما المهارة التي أحتاج إلى تطويرها؟".
بدأت تعدل سيرتها الذاتية، وتتدرب على المقابلات، وتطلب الملاحظات، وتتقدم لفرص كانت تتجنبها. لم تتغير حياتها في يوم واحد، لكن علاقتها بنفسها تغيرت. وعندما تغير حديثها الداخلي، تغيرت الأسئلة التي تطرحها، ثم تغيرت الخطوات التي تقوم بها.
نحن لا نملك السيطرة على كل كلمة قيلت لنا، لكننا نملك حق مراجعة الكلمات التي قبلناها كحقائق.
اسأل نفسك: ما الجملة التي أكررها كل يوم؟ ومن يمكن أن أصبح لو توقفت عن معاملتها كحكم نهائي؟
اختر كلماتك بحكمة، فقد تصبح كلمات اليوم معتقدات الغد، ومعتقداتك قد تحدد الأبواب التي تطرقها والفرص التي تسمح لنفسك برؤيتها.
لا تدع صوتًا عابرًا يكتب قصة عمرك.
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly4982 المقالات
منشورات شائعة
-
من الدوحة إلى تورونتو.. ق...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 16, 2026
-
ميسيساغا توقف مراكز البيا...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 16, 2026
-
هل يكفي قطع الجزء المتعفن...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 16, 2026
-
لماذا نحكي قصتنا عن أنفسن...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 16, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!