حين يحمل الجسد ما عجز القلب عن قوله
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
بقلم: د. مصطفى حسن
نحن نعتاد أحيانًا أشياء لا ينبغي أن نعتادها.
نعتاد القلق، ونقول: «كل الناس متوترة
نعتاد النوم المتقطع، ونقول: «المهم أنني أنام ساعات قليلة.
نعتاد الإرهاق، والصداع، وشد العضلات، والخمول، ونواصل يومنا كأن الجسد مجرد آلة مطالبة بالعمل مهما كان الثمن.
لكن الحقيقة أن الضغط النفسي لا يعيش في الرأس وحده.
حين يطول التوتر، ولا يجد الإنسان فرصة حقيقية للراحة أو التعافي، يبدأ الجسد هو الآخر في حمل جزء من العبء.
وهنا تظهر واحدة من أهم الحقائق التي تعلمناها من العلاقة بين النفس والجهاز العصبي والمناعة: المشاعر ليست منفصلة عن الجسد كما كنا نتخيل.
الحزن الطويل يرهق.
الخوف المستمر يرهق.
القلق الذي لا ينتهي يرهق.
والحياة تحت ضغط دائم، حتى لو بدت «طبيعية» من الخارج، قد تترك أثرًا حقيقيًا في النوم والطاقة والتركيز والتوتر العضلي وطريقة استجابة الجسم لما يحيط به.
البحث العلمي لا يقول إن كل مشكلة نفسية سببها الالتهاب، ولا أن كل إرهاق جسدي بدأ من الضغط النفسي. لكنه يوضح شيئًا أكثر بساطة وأهمية: التوتر المزمن يمكن أن يترك بصمة بيولوجية في الجسم، وأن النفس والجسد يتأثر كل منهما بالآخر أكثر مما نتصور.
المشكلة أننا أحيانًا لا نشعر بحجم ما نحمله لأننا حملناه طويلًا.
الإنسان الذي يعيش سنوات في حالة استنفار قد ينسى كيف يبدو الهدوء أصلًا.
يستيقظ متعبًا، ينام متعبًا، ويصبح سريع الغضب أو قليل الصبر، ويشعر أن عقله أثقل من المعتاد. وربما يقول لنفسه: «أنا هكذا منذ سنوات».
لكن الاعتياد على الألم لا يجعله طبيعيًا.
والاعتياد على الضغط لا يعني أن الجسد قادر على تحمله إلى الأبد.
أحيانًا تكون أول خطوة في التعافي بسيطة جدًا: أن تعترف بأنك مرهق.
ليس ضعفًا أن تقول: «هذا كثير عليّ".
وليس تدليلًا للنفس أن تحتاج إلى النوم أو الراحة أو مساحة هادئة أو شخص تتحدث معه.
نحن بارعون في احترام التعب عندما يظهر في صورة جرح أو كسر أو مرض واضح، لكننا أقل رحمة بالتعب الذي لا يراه الآخرون.
نقول للشخص المرهق نفسيًا: «تحمل».
ونقول له: «غيرك عنده مشاكل أكبر».
ثم نتعجب عندما يبدأ جسده في الشكوى.
الشفاء لا يعني أن تغير حياتك كلها في يوم واحد.
قد يبدأ من سؤال صادق:
منذ متى وأنا أعيش تحت هذا المستوى من الضغط؟
ثم سؤال آخر:
ماذا فعل هذا الضغط بنومي؟ بطاقتي؟ بمزاجي؟ بعلاقاتي؟ بجسدي؟
وبعد أن ترى الصورة بوضوح، لا تطلب من نفسك بطولة جديدة.
خفف حملًا واحدًا.
نم ساعة أفضل إن استطعت.
امشِ قليلًا.
كل بانتظام.
ابتعد عن شخص يستنزفك بلا توقف.
اطلب مساعدة ممن تثق به.
استعد شيئًا صغيرًا يمنح جهازك العصبي رسالة تقول: «أنت لست في خطر طوال الوقت».
ليس كل ضغط يمكن إزالته، وهذه حقيقة.
هناك مرض، وفقد، ومسؤوليات، وعمل، وديون، ومخاوف لا تختفي بمجرد التفكير الإيجابي.
لكن حتى حين لا نستطيع إزالة مصدر الضغط، نستطيع أحيانًا أن نقلل المساحة التي يحتلها داخلنا.
يمكن أن نتوقف عن حمل كل شيء وحدنا.
يمكن أن نتوقف عن الشعور بالذنب لأننا متعبون.
ويمكن أن نفهم أن الاعتناء بالجسد ليس منفصلًا عن الاعتناء بالنفس.
الجسد يسمع ما لا نقوله.
يحفظ ليالي القلق، وساعات الانتظار، والخوف المؤجل، والغضب المكبوت، والتعب الذي نبتلعه كل صباح ثم نبتسم.
ولهذا فإن الاهتمام بصحتك النفسية ليس رفاهية.
إنه جزء من احترامك لجسدك أيضًا.
وحين تشعر أنك منهك منذ وقت طويل، فلا تسأل فقط: «كيف أتحمل أكثر؟»
ربما السؤال الأهم هو:
ما الذي أستطيع أن أتوقف عن حمله؟
فالضغط الطويل ليس harmless لمجرد أنه شائع.
وما يحمله قلبك كل يوم، يستحق أن تعامله بجدية ورحمة قبل أن يضطر جسدك إلى أن يتكلم نيابة عنه.
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly5078 المقالات
منشورات شائعة
-
لم يصمت القلم.. رابع إطلا...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 22, 2026
-
«قصص عبر الحدود».. السينم...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 22, 2026
-
للمصريين في كندا.. سفارة...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 22, 2026
-
خالد عزمي يبدأ مهامه سفير...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 22, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!