خفض الهجرة يكشف اختبار النمو في كندا… هل كانت الأرقام تخفي هشاشة أعمق؟
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
يدخل الاقتصاد الكندي مرحلة أكثر حساسية مع تراجع مستويات الهجرة ونمو السكان، في وقت يتزايد فيه الجدل حول ما إذا كانت الزيادة الكبيرة في أعداد الوافدين خلال السنوات الماضية قد دعمت أرقام النمو العامة، لكنها في المقابل أخفت ضعفًا أعمق في الإنتاجية ومستوى المعيشة.
القضية لم تعد مجرد نقاش حول عدد القادمين إلى كندا، بل أصبحت سؤالًا اقتصاديًا مباشرًا: هل كان الاقتصاد ينمو فعلًا بقوة، أم أن جزءًا كبيرًا من هذا النمو كان ناتجًا عن زيادة عدد السكان والطلب الاستهلاكي، لا عن تحسن حقيقي في إنتاجية الفرد أو قوة الشركات؟
جاء هذا النقاش بعد بيانات أظهرت انكماش الناتج المحلي الإجمالي الكندي بمعدل سنوي قدره 0.1 في المئة في الربع الأول من 2026، بعد انكماش معدل بلغ 1 في المئة في الربع الأخير من 2025، وهو ما دفع بعض الاقتصاديين إلى وصف الوضع بأنه ركود تقني. وأشارت رويترز إلى أن حالة عدم اليقين المرتبطة بالتعريفات الأميركية والتجارة أثرت في الاستثمار والتوظيف والإنفاق.
وفي تعليق سياسي لافت، قال رئيس الوزراء مارك كارني إن بعض البيانات الاقتصادية ستكون “غير منتظمة” مع استمرار الحكومة في تنفيذ إصلاحات تشمل خفض الهجرة وكبح الإنفاق الحكومي، معتبرًا أن جزءًا من الضعف الحالي يعكس قرارات حكومية واضحة وليست فقط تدهورًا مفاجئًا في الاقتصاد.
لكن وراء هذه القراءة الحكومية تظهر معضلة أكبر. فقد أوضح تحليل صادر عن معهد C.D. Howe أن خفض مستهدفات الهجرة يمثل تحولًا هيكليًا في نمو قوة العمل، وأن أرقام التوظيف والناتج المحلي قد تبدو أضعف في السنوات المقبلة حتى لو كان الاقتصاد يعمل قريبًا من طاقته. ويتوقع التحليل أن يكون نمو الناتج المحلي الحقيقي في المدى القريب محدودًا عند نحو 0.4 إلى 0.5 في المئة، قبل أن يستقر قرب 1.2 في المئة على المدى الطويل، في اقتصاد أقل اعتمادًا على النمو السكاني السريع.
وتشير بيانات مكتب الميزانية البرلماني إلى أن عدد المقيمين غير الدائمين في كندا سيواصل التراجع، وأن النمو السكاني قد يبقى شبه ثابت في 2026، ثم يرتفع بشكل محدود إلى 0.3 في المئة في 2027، قبل أن يستقر حول 0.8 في المئة سنويًا على المدى المتوسط، وهي نسبة أدنى من متوسط ما قبل 2015 البالغ 1.1 في المئة.
هذا التحول يعني أن كندا لن تستطيع الاعتماد بالقدر نفسه على زيادة السكان لدفع الاستهلاك، وملء الوظائف، ورفع أرقام الناتج المحلي الإجمالي. لذلك، سيكون السؤال الأصعب في المرحلة المقبلة هو قدرة الاقتصاد على تحقيق نمو أفضل من خلال الإنتاجية، الاستثمار، الابتكار، وبناء مساكن وخدمات عامة تكفي السكان الموجودين بالفعل.
وتكمن أهمية الجدل في أن النمو السكاني المرتفع خلال السنوات الماضية ساعد في دعم الطلب على السكن، التجزئة، الخدمات، والتعليم، لكنه لم يكن كافيًا لمنع تراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي. فقد ذكرت إحصاءات كندا أن الناتج الحقيقي كان أعلى من مستواه قبل الجائحة، لكن النمو السكاني السريع في 2023، الذي بلغ 3.2 في المئة، جعل نصيب الفرد من الناتج المحلي يتجه إلى الانخفاض ويصبح أقل من مستوى ما قبل الجائحة بنسبة 2.5 في المئة في أواخر 2023.
لذلك، لا يدور النقاش الجاد حول تحميل المهاجرين مسؤولية الضعف الاقتصادي، بل حول طريقة إدارة الهجرة وربطها بطاقة السكن، الخدمات الصحية، التعليم، البنية التحتية، وسوق العمل. فالهجرة المدروسة يمكن أن تكون قوة اقتصادية مهمة، لكنها لا تستطيع وحدها تعويض ضعف الإنتاجية أو نقص الاستثمار أو بطء بناء المساكن.
وتشير تقديرات بنك كندا إلى أن تباطؤ تدفقات الوافدين سيقلل مساهمة العمل في النمو المحتمل خلال 2026 و2027، مع تراجع نمو السكان في سن العمل مقارنة بعام 2024. وهذا يجعل ملف الإنتاجية أكثر إلحاحًا، لأن الاقتصاد الذي لا يزيد عدد سكانه بسرعة يحتاج إلى أن ينتج أكثر وأفضل بكل عامل موجود.
في المحصلة، يكشف خفض الهجرة اختبارًا حقيقيًا للاقتصاد الكندي. فإذا تباطأ النمو العام، فذلك لا يعني بالضرورة أن الاقتصاد ينهار، لكنه يعني أن البلاد فقدت أحد محركات النمو السهلة، وهو النمو السكاني السريع. والاختبار الآن هو ما إذا كانت كندا قادرة على بناء اقتصاد أقوى، لا فقط أكبر عددًا.
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly5252 المقالات
منشورات شائعة
-
مونتريال تستضيف لقاءً تحض...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
-
13 عملاً في القائمة القصي...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
-
الكبد والحمل.. لماذا تحذّ...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
-
أكتوبر الوردي: 89 امرأة ت...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!