الوضع المظلم
من مطبخ الذاكرة إلى باب العمل.. كيف جعلت أديل ترزيباشي من الطعام السوري بداية جديدة لعشرات المهاجرات

من مطبخ الذاكرة إلى باب العمل.. كيف جعلت أديل ترزيباشي من الطعام السوري بداية جديدة لعشرات المهاجرات

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

 

ليس كل مشروع ناجح يبدأ بفكرة خارقة. أحيانًا يبدأ بشيء تعرفينه أصلًا، شيء بسيط إلى درجة أنك قد لا تنتبهين إلى قيمته.

بالنسبة لأديل ترزيباشي، كان هذا الشيء هو الطعام.

 

وصلت أديل، ابنة مدينة حلب السورية، إلى كيبيك عام 2003 وهي في الثالثة والعشرين. ومن أولى خطواتها الالتحاق بدبلوم مهني في المبيعات، لتتعرف إلى سوق العمل في كيبيك وثقافة ريادة الأعمال فيه. وقالت لاحقًا إن التدريب في البداية ساعدها على فهم كيفية سير الأمور في البلد الجديد، بما يمكن أن يفتح الطريق لاحقًا أمام فرصة عمل أفضل.

 

وبعد سنوات، كانت نساء سوريات أخريات يبدأن حياة جديدة في كندا، وبعضهن يحملن خبرات مهنية في القانون والصحافة والتدريب الرياضي. لكن الوصول إلى بلد جديد جعل بعض هذه الخبرات غير كافية وحدها لفتح أول باب عمل. وتقول «بنات فتوش» إن العمل أتاح للنساء دخلًا وبناء شبكة اجتماعية، كما استطاعت بعض من مررن بالمشروع الانتقال لاحقًا إلى وظائف أقرب إلى مهاراتهن السابقة.

 

ومن هنا بدأت الفكرة من شيء تملكه النساء بالفعل: مهارتهن في الطبخ السوري وقدرتهن على مشاركة ثقافتهن من خلاله.

في عام 2017 شاركت أديل في تأسيس Les Filles Fattoush «بنات فتوش» في مونتريال، بهدف منح لاجئات سوريات أول تجربة عمل في كندا بالاستفادة من مهاراتهن في الطهي. لم يكن المطبخ تعريفًا نهائيًا لقدراتهن؛ كان بابًا أول للدخل والاحتكاك بالمجتمع وبناء شبكة جديدة.

 

لكن هنا تبدأ النقطة التي تجعل القصة أكبر من مجرد مبادرة إنسانية جميلة.

الفكرة الإنسانية تستطيع أن تبدأ مشروعًا، لكنها لا تستطيع وحدها أن تُبقيه حيًا.

 

كبر النشاط، لكن الأرقام كشفت مشكلة. وبحسب تقرير نشره بنك التنمية الكندي BDC في 5 أكتوبر 2026، وصلت تكاليف العمالة في إحدى المراحل إلى نحو 70%، وكانت الشركة تخسر المال في كل طبق تبيعه. عندها أعادت الإدارة حساب تكلفة كل طبق، بما يشمل المكونات والتغليف والعمل، ثم نظمت الإنتاج بصورة تقلل هدر الوقت والطاقة والمواد وتحسن هوامش الربح.

 

وهنا تغيّر معنى النجاح نفسه: لم يعد السؤال كم طلبًا يصل إلى المطبخ، بل هل يترك كل طلب للمشروع ما يكفي ليستمر وينمو؟

وهنا يظهر درس لا يخص أديل وحدها: مش كل مشروع مشغول مشروع ناجح.

 

قد يكون لديك زبائن وطلبات ومنتج يحبه الناس، بينما تكشف الأرقام أن طريقة العمل نفسها لا تستطيع الاستمرار. ولهذا يضع تقرير BDC فهم التكاليف والسيولة ومؤشرات الأداء بين أهم الدروس التي خرجت بها الشركة من مرحلة النمو: الأرقام ليست شيئًا نراجعه بعد انتهاء العمل، بل جزء من القرار نفسه.

 

وجاء اختبار آخر خلال جائحة كوفيد-19. عندما جربت الشركة التوصيل المنزلي عام 2020، كانت 25 طلبية من أول 30 طلبًا غير صحيحة. بدل الإصرار على إدارة التوزيع بالطريقة نفسها، اتجهت الشركة إلى شراكات مع جهات تملك شبكات وخبرة في هذا المجال، من بينها Lufa Farms، إلى جانب منتجين متخصصين لبعض المنتجات التي تحتاج إلى معدات مختلفة.

 

وهذا ربما من أصعب ما يتعلمه صاحب أي مشروع: معرفة ما لا تجيدينه قد تكون مهمة بقدر معرفة ما تجيدينه.

وعندما لم تكن الميزانية تسمح بتوظيف متخصصين بدوام كامل في كل مجال، استعانت الشركة بخبراء ومستشارين في هيكلة الوظائف وإدارة عمليات الأغذية والتخطيط الاستراتيجي. كما تقول الإدارة إنها احتاجت وقتًا لتغيّر نظرتها إلى الاقتراض، وترى أن التمويل المدروس يمكن أن يكون أداة لمواصلة النمو لا علامة على ضعف المشروع.

 

ومع الوقت تغيّر شكل النشاط نفسه. دخلت «بنات فتوش» سوق البقالة عام 2023، بعدما رأت الشركة أن خدمات تقديم الطعام تنمو لكنها تظل نشاطًا مرهقًا ومحدود القدرة على التوسع. وأصبحت منتجاتها، من رقائق الخبز والتوابل إلى الحمص والأطعمة الجاهزة، متاحة في نحو 500 نقطة بيع في كيبيك.

 

وفي سبتمبر 2026 أطلقت الشركة Cuisine Fattoush كهوية جديدة لخط منتجات البقالة، مع بقاء اسم «Les Filles Fattoush» ومهمتها الاجتماعية وفريقها ومتجرها في سوق جان تالون. وتقول الشركة إن الهوية الجديدة صُممت لدعم مرحلة أوسع من الانتشار داخل كندا.

 

وأصبحت النتيجة اليوم قابلة للقياس. وبحسب تقرير بنك التنمية الكندي BDC، تجاوزت مبيعات المشروع 3.5 مليون دولار، وحققت الشركة نموًا سنويًا تراوح بين 20 و30%، ويعمل لديها 18 موظفًا بدوام كامل. كما تستعد العلامة للتوسع في متاجر بمقاطعات أونتاريو وألبرتا وبريتيش كولومبيا.

 

لكن الرقم الذي يعطي القصة معناها الإنساني ليس الملايين وحدها.

ينقل تقرير BDC عن إدارة الشركة أن بعض الموظفات طلبن منها خطابات مرجعية لمساعدتهن على شراء أول منزل لهن. وكانت تلك، بالنسبة للإدارة، علامة على أن وظيفة بدأت بعدد محدود من الساعات يمكن أن تتحول مع الوقت إلى قدر أكبر من الاستقرار الاقتصادي في البلد الجديد.

 

وبحسب «بنات فتوش»، عملت مع المشروع منذ انطلاقه أكثر من 50 امرأة سورية، فيما وصلت منتجاته إلى أكثر من 500 نقطة بيع في كيبيك.

 

قصة أديل لا تقول لأي امرأة إن عليها أن تبدأ مشروعًا في الطعام.

لكنها تضع أمامها سؤالًا يستحق أن تسأله لنفسها: ما الذي أملكه بالفعل، وربما لم أنظر إليه بعد باعتباره فرصة؟

فالطبخ كان البداية، لكن تحويل البداية إلى مشروع قادر على البقاء احتاج إلى ما هو أكثر: معرفة الأرقام، الاعتراف بما لا يعمل، الاستعانة بمن يملك خبرة أفضل، بناء الشراكات، وتغيير نموذج العمل عندما يصبح التغيير ضروريًا.

في "نات فتوش"، كان المطبخ أول الباب فقط.

 

الصورة: Maude Chauvin — مستخدمة بإذن من Les Filles Fattoush

Authors

النشرة البريدية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!