الوضع المظلم
بعض أوجاعنا ليست من اليوم... حين يتكلم وجع الطفولة في صمت داخلنا

بعض أوجاعنا ليست من اليوم... حين يتكلم وجع الطفولة في صمت داخلنا

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

بقلم الدكتورة عبير القاضي

 

ليس كل ألم يترك أثرًا ظاهرًا، وليس كل جرح يظهر في صورة كلمة أو دمعة. هناك أوجاع تبدأ في سنوات الطفولة، ثم تكبر معنا بهدوء، وتختبئ في زوايا الشخصية، لتظهر لاحقًا في الخوف، أو التردد، أو الحساسية الزائدة، أو صعوبة الثقة بالآخرين.

 

الطفل لا يحتاج دائمًا إلى حدث كبير حتى يتأذى. أحيانًا تكفي كلمة قاسية، أو تجاهل متكرر، أو شعور دائم بأنه غير مسموع أو غير مهم. ما يبدو بسيطًا في نظر الكبار، قد يكون في قلب الطفل عالمًا كاملًا من القلق والانكسار.

 

تخيّلوا طفلًا كسر كوبًا من دون قصد، فانهالت عليه الصرخات بدلًا من الطمأنة. قد ينتهي الموقف في لحظته بالنسبة إلى الأسرة، لكنه قد يبقى داخل هذا الطفل سنوات طويلة. ربما يكبر وهو يخاف الخطأ، ويبالغ في الاعتذار، ويرتبك من أي نقد، لأنه تعلّم مبكرًا أن الخطأ لا يعني التعلّم، بل يعني الخوف.

 

 

كثير من البالغين الذين نظنهم حساسين أكثر من اللازم، أو منسحبين، أو يبحثون عن الأمان في تعلقهم بالآخرين، لا يعيشون فقط مشاعر الحاضر، بل يحملون أيضًا صدى قديمًا من طفولة لم تجد الاحتواء الكافي. وهذا لا يعني أنهم ضعفاء، بل يعني أن في داخلهم جزءًا ما زال ينتظر الأمان.

 

الجميل في الأمر أن صدمات الطفولة ليست حكمًا نهائيًا على الإنسان. يمكن فهمها، والاقتراب منها برحمة، والتخفف من أثرها مع الوقت. حين يتوقف الإنسان عن لوم نفسه، ويبدأ في الإصغاء إلى ألمه بصدق، يفتح بابًا واسعًا للتعافي.

 

لسنا مطالبين بأن نمحو الماضي، بل أن نفهمه حتى لا يظل يوجّه حاضرنا من بعيد. وأحيانًا، تكون بداية التعافي الحقيقية في أن نمنح الطفل الذي بداخلنا ما حُرم منه يومًا: اللطف، والطمأنينة، والقبول.

 

لأن بعض أوجاعنا ليست من اليوم، بل من طفل قديم في الداخل ما زال ينتظر أن يفهمه أحد.