لستَ أول ردة فعل منك
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
بقلم: د. مصطفى حسن
أحيانًا لا نحتاج إلى سنوات من التحليل حتى نفهم أنفسنا. نحتاج فقط إلى لحظة صدق نسأل فيها: ماذا حدث في جسدي قبل أن أصدق القصة التي صنعها عقلي؟
كلمة عابرة، نظرة باردة، رسالة لم يرد عليها أحد، نقد في العمل، خلاف صغير في البيت. وفجأة، يضيق الصدر، تتسارع ضربات القلب، تنقبض المعدة، ويشتعل الوجه. قبل أن نفكر، يكون الجسد قد أعلن حالة الطوارئ.
هذه اللحظة الأولى ليست حكمًا على حقيقتنا. إنها انفعال. موجة سريعة من الجسد، جاءت لتحمينا أو تنبهنا أو تدافع عنا. الخوف، الغضب، الحزن، التوتر، كلها رسائل أولية من جهاز عصبي يحاول أن يفهم العالم بسرعة.
ثم يأتي العقل بعد ذلك، وهنا تبدأ القصة.
الجسد يقول: هناك توتر.
العقل يقول: سأفشل.
الجسد يقول: هناك ألم.
العقل يقول: لا أحد يحبني.
الجسد يقول: أنا مهدد.
العقل يقول: هم لا يحترمونني.
في لحظات كثيرة، لا نتعب من الانفعال نفسه، بل من القصة التي نبنيها فوقه. الانفعال قد يمر مثل موجة قصيره علميا لا تتعدي ٩٠ ثانية، لكن الشعور قد يبقى طويلًا لسنوات إذا غذّاه العقل بالمعاني القديمة: أنا مرفوض، أنا غير كاف، أنا دائمًا وحدي، لا أحد يفهمني.
ولهذا يصبح الفرق بين الانفعال والشعور مهمًا جدًا. الانفعال او الإحساس يبدأ في الجسد. أما الشعور او العواطف فهو تفسير العقل لهذا الانفعال. الأول سريع وبدني، والثاني أبطأ وأطول لأنه يحمل الذاكرة، والخبرة، والخوف، والاعتقادات القديمة.
المشكلة أننا كثيرًا ما نحاول حل كل شيء بالعقل، بينما الجسد ما زال مشتعلًا. نحاول إقناع أنفسنا أن لا نخاف، ولا نغضب، ولا نبالغ، لكن القلب لا يزال يركض، والصدر لا يزال مغلقًا، والجسد لا يزال يشعر بالخطر.
لا تستطيع أن تفكر بهدوء وجسدك يصرخ.
لذلك، في اللحظة الأولى، لا تحتاج إلى تفسير عميق. تحتاج إلى تهدئة. خذ نفسًا بطيئًا. اشعر بقدميك على الأرض. انظر حولك. حرّك جسدك. امشِ قليلًا. لا ترد فورًا. لا ترسل رسالة وأنت مشتعل. لا تأخذ قرارًا دائمًا من موجة مؤقتة.
بعد أن يهدأ الجسد، اسأل العقل: ما القصة التي صنعتها؟
هل ما حدث يعني فعلًا أنني مرفوض؟
هل النقد يعني أنني فاشل؟
هل تأخر الرد يعني أنني غير مهم؟
هل غضب شخص مني يعني أن العلاقة انتهت؟
أحيانًا لا تكون المشكلة في الحدث، بل في المعنى الذي ربطناه معه. وأحيانًا لا يكون وجع اللحظة من اللحظة نفسها، بل من جرح قديم استيقظ داخلها.
هذا لا يعني أن نقلل من ألمنا، ولا أن نبرر إساءة الآخرين. لكنه يعني ألا نصدق أول تفسير يقدمه عقلنا وهو خائف أو غاضب. العقل تحت الضغط لا يكون دائمًا عادلًا. أحيانًا يحاول حمايتنا، فيبالغ. يحاول أن يحمينا من الخذلان، فيرى الرفض في كل صمت. يحاول أن يحمينا من الفشل، فيرى الكارثة في كل خطأ.
الوعي يبدأ عندما نقول: أنا أشعر بالخوف، لكنني لست الخوف. أنا أشعر بالغضب، لكنني لست الغضب. أنا أشعر بالقلق، لكنني لست القلق كله.
هذه المسافة الصغيرة بينك وبين شعورك قد تنقذك من رد لا يشبهك، ومن قرار تندم عليه، ومن كلمة تكسر علاقة، ومن قصة تظلم بها نفسك.
لسنا مطالبين أن نكون هادئين طوال الوقت. هذا غير إنساني. لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نعود إلى أنفسنا بعد الموجة الانفعالية المؤقته. نستطيع أن نسأل: هل أحتاج الآن إلى تهدئة جسدي، أم إلى مراجعة المعنى الذي أعطيته للموقف؟
أحيانًا يحتاج الجسد إلى أن يسمع: أنت آمن الآن.
وأحيانًا يحتاج العقل إلى أن يسمع: ليست كل قصة تقولها صحيحة.
وأحيانًا نحتاج نحن إلى أن نتوقف عن معاقبة أنفسنا لأننا شعرنا.
أنت لست أول ردة فعل منك.
ولست كل فكرة جاءت بعد الألم.
أنت المساحة التي تستطيع أن تلاحظ، وتفهم، وتختار رده فعلك لهذا الموقف.
وهذه المساحة، مهما كانت صغيرة، هي بداية التغيير للهدوء والاستقرار النفسي.
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly5078 المقالات
منشورات شائعة
-
«قصص عبر الحدود».. السينم...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 22, 2026
-
لم يصمت القلم.. رابع إطلا...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 22, 2026
-
قطر تدفع بملف أولمبياد 20...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 22, 2026
-
للمصريين في كندا.. سفارة...
- نشر بواسطة Tahani
- سبتمبر 22, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!