الوضع المظلم
ما وراء انهيار الصفقة.. هل تريد واشنطن شريكًا كنديًا أم اقتصادًا يتحرك بشروطها؟

ما وراء انهيار الصفقة.. هل تريد واشنطن شريكًا كنديًا أم اقتصادًا يتحرك بشروطها؟

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

 

تحليل | تواصل نيوز

 

لم تنهَر المفاوضات بين كندا والولايات المتحدة بسبب خلاف أخير على نسبة رسم جمركي فقط. ففي الوقت الذي بدا فيه الاتفاق قريبًا، انتقلت الخلافات إلى شروط تتعلق بصناعة السيارات، وقدرة كندا على اتخاذ قرارات اقتصادية مستقلة، وحماية الثقافة واللغة الفرنسية. هنا قررت أوتاوا أن تكلفة بعض التنازلات أصبحت أكبر من تكلفة الابتعاد عن الاتفاق.

 

وكان الطرفان قد حققا تقدمًا كافيًا لدفع واشنطن إلى تأجيل تطبيق رسومها الجديدة بنسبة 50% لمدة ثلاثة أيام، لإتاحة فرصة أخيرة للتوصل إلى تسوية. لكن في الساعات النهائية قال رئيس الوزراء مارك كارني إن الولايات المتحدة طرحت شروطًا جديدة وصفها بأنها "غير اقتصادية وغير عادلة"، ليأمر فريقه المفاوض بالعودة إلى أوتاوا.

 

أين تعثرت الصفقة؟

 

كندا لم تدخل المفاوضات رافضة للتنازل. فقد عرضت إسقاط ما تبقى من رسومها المضادة على قطاعات استراتيجية، بينها الصلب والألمنيوم والسيارات، إذا خفضت واشنطن رسومها إلى مستويات تسمح للشركات الكندية بالمنافسة. كما أبدت استعدادًا لاتخاذ خطوات تتعلق بعودة المنتجات الأميركية إلى بعض الأسواق ومعالجة ملفات تجارية أخرى.

 

لكن الخطوط الحمراء ظهرت عندما امتدت المطالب، بحسب الرواية الكندية، إلى طريقة التعامل مع السيارات والشاحنات، وحرية كندا في اتخاذ بعض قراراتها الاقتصادية والتجارية، إضافة إلى قضايا مرتبطة بحماية اللغة الفرنسية والثقافة الكندية. كارني قال بوضوح إن هذه الملفات "لم تكن مطروحة للتفاوض".

 

هنا تغيرت طبيعة الخلاف. لم يعد السؤال فقط: كم ستدفع الشركات الكندية عند دخول السوق الأميركية؟ بل إلى أي مدى يمكن لواشنطن استخدام حجم سوقها للحصول على تغييرات في سياسات كندية تتجاوز الرسوم نفسها؟

 

هل تريد أميركا "كسر" كندا؟

 

استخدام كلمة "كسر" يحتاج إلى دقة. لا توجد أدلة تكفي للقول إن هدف واشنطن هو تدمير الاقتصاد الكندي؛ فهذا الاقتصاد شديد الارتباط بالاقتصاد الأميركي، وأي ضرر واسع في كندا يمكن أن يمتد إلى شركات وعمال ومستهلكين داخل الولايات المتحدة أيضًا.

 

لكن هناك فارقًا بين كسر الاقتصاد الكندي وكسر مقاومته التفاوضية. فالرسوم تضع تكلفة مباشرة على الشركات الكندية التي تعتمد على السوق الأميركية، وبالتالي تزيد الضغط الداخلي على الحكومة للقبول بشروط واشنطن. إنها ببساطة محاولة لاستخدام عدم التكافؤ في حجم الاقتصادين كورقة قوة.

 

واللافت أن كارني نفسه استخدم لغة أكثر حدة من ذلك. ففي خطابه السبت، أعاد التذكير بتحذيره السابق من أن الولايات المتحدة تحاول "كسرنا حتى تتمكن من امتلاكنا"، وقال إن كندا لن تسمح بذلك. ورغم أن هذه صياغة سياسية تمثل موقف الحكومة الكندية وليست حقيقة مستقلة، فإنها تكشف بوضوح كيف أصبحت أوتاوا تنظر إلى الصراع: ليس كخلاف مؤقت حول التعريفات فقط، بل كاختبار لمدى استقلال القرار الكندي.

 

نقطة ضعف كندا

 

المشكلة أن واشنطن تملك بالفعل ورقة قوية. ففي عام 2025 ذهب 71.7% من صادرات السلع الكندية إلى الولايات المتحدة. ولذلك يمكن لأي رسوم مرتفعة أن تصل سريعًا إلى المصانع والوظائف والاستثمارات داخل كندا قبل أن تتمكن الشركات من إيجاد أسواق بديلة.

 

لكن الأرقام تكشف أيضًا بداية تغير مهم. فقد انخفضت حصة الولايات المتحدة من صادرات السلع الكندية من 75.9% في 2024 إلى 71.7% في 2025، بينما ارتفعت صادرات كندا إلى الدول الأخرى بنسبة 17.2%. وهذا يعني أن كل مواجهة جديدة مع واشنطن تمنح أوتاوا سببًا إضافيًا لتسريع تنويع أسواقها.

 

وهنا تكمن المفارقة بالنسبة للولايات المتحدة. فقد تنجح الرسوم في الضغط على كندا على المدى القصير، لكنها قد تدفعها على المدى الطويل إلى بناء علاقات تجارية أوسع تقلل من قوة الورقة الأميركية نفسها. كارني أعلن بالفعل أن استراتيجية حكومته ستتجه إلى المزيد من الاتفاقات الدولية والمشروعات الداخلية وتقليل الاعتماد الاقتصادي على الولايات المتحدة.

 

المعركة الحقيقية

لذلك ربما لا يكون السؤال الأدق: هل تريد أميركا كسر كندا؟

 

الأقرب أن واشنطن تحاول كسر النموذج القديم للعلاقة؛ نموذج منح كندا وصولًا واسعًا إلى السوق الأميركية مع احتفاظها بمساحة كبيرة من الاستقلال في قراراتها الاقتصادية والسياسية.

 

أما كندا، فقد وصلت إلى لحظة ترى فيها أن الحفاظ على صادرات اليوم لا ينبغي أن يأتي مقابل تضييق قدرتها على اتخاذ قرارات الغد. ولهذا فإن انسحاب كارني لا يمثل انتصارًا، لأن الرسوم ستؤذي شركات وعمالًا كنديين، لكنه لا يمثل فشلًا تفاوضيًا بسيطًا أيضًا.

 

المواجهة الحالية قد تكون بداية لإعادة تعريف علاقة استمرت عقودًا. والسؤال الذي سيواجه كندا بعد الآن لن يكون فقط كيف تستعيد أفضل وصول ممكن إلى السوق الأميركية، بل كيف تضمن ألا تتحول حاجتها إلى هذا السوق إلى حق دائم لواشنطن في تحديد الخيارات الكندية.