الوضع المظلم
حين تتحول المائدة إلى امتحان.. كيف سرق هوس “الأكل النظيف” علاقتنا الطبيعية بالطعام؟

حين تتحول المائدة إلى امتحان.. كيف سرق هوس “الأكل النظيف” علاقتنا الطبيعية بالطعام؟

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

لم يعد الحديث عن الطعام يدور فقط حول الجوع أو المتعة أو العادات العائلية. في السنوات الأخيرة، صار الطعام عند كثيرين مساحة للقلق، والحساب، والشك. طبق الأرز قد يتحول إلى “خطر كربوهيدرات”، قطعة الخبز إلى “عدو”، السكر إلى “سم”، والزيت إلى تهمة جاهزة. وبين تطبيقات حساب السعرات، ومؤثري “الأكل النظيف”، ومقاطع التخويف من كل مكوّن غذائي تقريبًا، وُلد سؤال أكبر من مجرد حمية: هل أصبح بعض الناس يخافون من الطعام أكثر مما يخافون من المرض نفسه؟

 

المفارقة أن الاهتمام بالصحة في ذاته ليس مشكلة. منظمة الصحة العالمية تؤكد أن النظام الغذائي الصحي يساعد في الوقاية من سوء التغذية والأمراض غير السارية، لكنها تضع أساس الفكرة في أربع كلمات: الكفاية، التوازن، الاعتدال، والتنوع. أي أن الصحة لا تقوم على الرعب من الطعام، بل على علاقة متوازنة معه. المشكلة تبدأ عندما يتحول “الأكل الصحي” من اختيار واعٍ إلى نظام خوف يومي، ومن محاولة لتحسين الحياة إلى قيد نفسي واجتماعي.

 

الأرقام تكشف أن الارتباك لم يعد فرديًا. في مسح IFIC Food & Health Survey 2025، قال 79% من الأمريكيين إنهم يجدون صعوبة في معرفة ما يجب تصديقه بسبب المعلومات الغذائية المتضاربة. وفي المسح نفسه، ذكر نصف المشاركين تقريبًا أنهم شاهدوا محتوى عن الطعام والتغذية على وسائل التواصل خلال العام السابق، لكن 12% فقط قالوا إنهم يثقون بهذا المحتوى “كثيرًا”، بينما جاءت ثقة الجمهور في مؤثري السوشيال ميديا والمدونين في مرتبة متدنية مقارنة بالاختصاصيين الصحيين وأخصائيي التغذية.

 

هذا التضارب يصنع ما يمكن تسميته “ضوضاء غذائية”. كل يوم تظهر قاعدة جديدة: لا تأكل بعد السادسة، لا تخلط هذا مع ذاك، لا تلمس الغلوتين، لا تشرب الحليب، لا تأكل الفاكهة ليلًا، لا تقترب من الخبز، لا تثق في الطعام المعلب، لا تثق في الطعام غير العضوي. بعض هذه النصائح قد يكون له أساس علمي في حالات محددة، لكن تعميمها على الجميع يحول التغذية من علم إلى سوق خوف.

 

وفي كندا تحديدًا، تنبه المؤسسات الصحية إلى خطورة اضطرابات الأكل باعتبارها أمراضًا نفسية خطيرة وقابلة للعلاج. وتشير المعاهد الكندية لأبحاث الصحة CIHR إلى أن اضطرابات الأكل تؤثر في نحو 1.4 مليون شاب وشابة في كندا، وأن 25% فقط يحصلون على العلاج المناسب. كما سجلت السنوات الأولى من جائحة كورونا زيادة بلغت 126% في زيارات الطوارئ بين الشباب المصابين باضطرابات أكل، وزيادة 60% في دخول المستشفيات. هذه الأرقام تضع الموضوع خارج خانة “الدلع” أو “الموضة”، وتؤكد أننا أمام مشكلة صحية ونفسية واجتماعية.

 

الخطر لا يقتصر على اضطرابات الأكل المعروفة مثل فقدان الشهية أو الشره المرضي. هناك حالة يتزايد الحديث عنها اسمها Orthorexia، أو الهوس المرضي بالأكل الصحي والنقي. هذه الحالة ليست معترفًا بها رسميًا حتى الآن كتشخيص مستقل في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية DSM-5-TR، بحسب الجمعية الوطنية لاضطرابات الأكل، لكنها تصف نمطًا واضحًا: انشغال مفرط بجودة الطعام ونقائه إلى درجة تؤثر في الحياة اليومية، والعلاقات، والصحة النفسية.

 

الفرق هنا مهم. أن يختار الإنسان طعامًا أفضل، فهذا وعي صحي. أما أن يشعر بالذنب لأنه أكل قطعة كيك في عيد ميلاد، أو يرفض زيارة أصدقاء لأن الطعام غير “نظيف”، أو يقضي ساعات في فحص المكونات، أو يحذف مجموعات غذائية كاملة بلا سبب طبي، فهنا لم نعد أمام اهتمام بالصحة، بل أمام علاقة مضطربة مع الطعام.

 

الدراسات على الأطفال والمراهقين تضيف بُعدًا أكثر قلقًا. تحليل منشور في JAMA Pediatrics عام 2023 وجد أن نحو 22% من الأطفال والمراهقين عالميًا أظهروا مؤشرات على سلوكيات أكل مضطربة، وكانت النسبة أعلى بين الفتيات والمراهقين الأكبر سنًا. هذه النسبة لا تعني أن كل هؤلاء لديهم اضطراب أكل كامل التشخيص، لكنها تعني أن علامات الخطر أصبحت واسعة بما يكفي لتستحق الانتباه المبكر.

 

وسائل التواصل تلعب دورًا مزدوجًا. هي قد تنشر معلومات مفيدة وتشجع على خيارات أفضل، لكن في الوقت نفسه تخلط بين العلم والتسويق، وبين التجربة الشخصية والحقيقة الطبية. مراجعة علمية عن العلاقة بين السوشيال ميديا وصورة الجسد واضطرابات الأكل لدى الشباب وجدت أن الاستخدام المكثف لهذه المنصات قد يرتبط بزيادة القلق من صورة الجسد وارتفاع مخاطر أنماط الأكل المضطرب، خصوصًا عندما يتعرض الشباب باستمرار لأجسام مثالية، ووجبات مصممة للتصوير، ونصائح غذائية يقدمها غير المختصين.

 

ما يحدث عمليًا أن الطعام فقد براءته. لم تعد التفاحة تفاحة، بل “سكر”. لم يعد الخبز خبزًا، بل “غلوتين”. لم تعد الوجبة العائلية مساحة دفء، بل اختبار إرادة. هذا التحول خطير لأنه يربط القيمة الأخلاقية للإنسان بما يأكله: من يأكل “نظيفًا” صار منضبطًا وناجحًا، ومن يأكل طعامًا عاديًا صار ضعيفًا أو جاهلًا أو غير مهتم بصحته. وهنا يتحول الطعام إلى وسيلة حكم اجتماعي.

 

الأمر لا ينفصل أيضًا عن القلق العام في المجتمع. مسح IFIC لعام 2025 أشار إلى أن نحو ثلثي الأمريكيين قالوا إنهم كانوا متوترين جدًا أو إلى حد ما خلال الأشهر الستة السابقة، وأن 20% من المتوترين ذكروا أن اختيارات الطعام والشراب أضافت إلى مستوى التوتر لديهم. عندما يعيش الناس تحت ضغط اقتصادي وصحي واجتماعي، يصبح التحكم في الطعام أحيانًا محاولة لاستعادة السيطرة على الحياة.

 

لكن السيطرة المفرطة لا تعني الصحة. الدليل أن مسح IFIC نفسه أظهر أن 62% من الأمريكيين يستبدلون الوجبات التقليدية بوجبات صغيرة أو سناكس، مقارنة بـ38% فقط في عام 2020. قد يكون ذلك مناسبًا للبعض، لكنه يعكس أيضًا تغيرًا في علاقة الناس بالوجبة الكاملة المنتظمة، وسط عالم يدفعهم إلى الأكل بسرعة، أو تقليل الأكل، أو تفتيت الوجبات تحت ضغط العمل والحمية والخوف من الوزن.

 

المطلوب ليس السخرية من من يهتم بصحته، ولا التقليل من مخاطر السمنة أو السكري أو أمراض القلب. المطلوب هو التمييز بين الوعي والخوف. الوعي يقول: أكثر من الخضار والفواكه، قلل السكر والملح والدهون المشبعة، واشرب ماءً، وتحرك، وراجع الطبيب عند الحاجة. أما الخوف فيقول: احذف، امنع، ارتعب، راقب، عاقب نفسك، ولا تثق في أي لقمة.

 

الطعام ليس عدوًا. العدو الحقيقي هو الفوضى: فوضى المعلومات، وفوضى التسويق، وفوضى المقارنات، وفوضى تحويل الصحة إلى مشروع كمال مستحيل. الإنسان لا يحتاج إلى علاقة بوليسية مع طبقه، بل إلى علاقة أهدأ وأكثر صدقًا: طعام متوازن أغلب الوقت، متعة بلا ذنب أحيانًا، ومعرفة من مصادر موثوقة لا من مقطع عابر على الهاتف.

 

الصحة لا تُقاس بعدد الأطعمة التي نخاف منها، بل بقدرتنا على أن نعيش حياة أوسع من قائمة الممنوعات. وعندما يصبح سؤال “ماذا آكل؟” مصدر رعب يومي، فربما لا تكون المشكلة في الطعام، بل في الطريقة التي تعلمنا بها أن نخاف منه.