الوضع المظلم
أوجاع الرجل التي لا يراها أحد.. حين تأتي الطعنة من المرأة الأقرب إلى قلبه

أوجاع الرجل التي لا يراها أحد.. حين تأتي الطعنة من المرأة الأقرب إلى قلبه

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

 

ليس كل وجع الرجل يأتي من العالم الخارجي. ليس دائمًا من قسوة العمل، ولا من ضغوط الحياة، ولا من الفشل، ولا من الخسارات المادية. أحيانًا يكون الوجع الأعمق أكثر هدوءًا، وأكثر خفاءً، وأكثر قدرة على تكسير الروح. أحيانًا يأتي من امرأة كانت الأقرب إلى قلبه، والأشد تأثيرًا في تكوينه، والأعمق حضورًا في حياته.

 

قد تكون أمًا ربّته، لكنها ربّته بالخوف بدل الطمأنينة، وبالانتقاد بدل الاحتواء، وبالحب المشروط بدل القبول. وقد تكون حبيبة أحبها بصدق، ففتح لها قلبًا لم يفتحه لأحد، ثم خرج من التجربة وهو أقل ثقة، وأقل أمانًا، وأقل قدرة على التعبير. وقد تكون زوجة ظنّ أن بيته معها سيكون سكنًا، فإذا به يتحول إلى مكان يحتاج فيه إلى الدفاع عن نفسه كل يوم، أو إلى الصمت حتى لا تتسع الجروح.

 

المشكلة أن الرجل لا يُسمح له غالبًا بأن يقول هذا بصراحة. منذ طفولته وهو يتعلم أن القوة تعني الكتمان، وأن الرجولة تعني التحمل، وأن الشكوى تضعفه في أعين الناس. لذلك لا نجد كثيرًا من الرجال يتحدثون عن أوجاعهم العاطفية بوضوح. لا يقولون إن كلمة من أمهم بقيت في صدورهم سنوات. لا يعترفون أن خذلان امرأة أحبوها جعلهم يشكون في أنفسهم. لا يصرخون حين يتحول الزواج من شراكة إلى استنزاف. هم فقط يتغيرون. يصبحون أكثر صمتًا، أكثر قسوة، أكثر انسحابًا، أو أقل قدرة على الحب.

 

وهنا يقع الظلم الأكبر. الناس ترى النتيجة، ولا ترى الجرح. ترى رجلًا باردًا، فتتهمه بالقسوة. ترى رجلًا قليل الكلام، فتظنه متكبرًا. ترى رجلًا مترددًا في الحب، فتصفه بأنه غير جاد. بينما الحقيقة في أحيان كثيرة أنه رجل لم يتعلم كيف ينجو من ألم لم يُسمح له أصلًا أن يعترف به.

 

ولنكن منصفين: الحديث عن ألم الرجل لا يعني أبدًا إلغاء ألم المرأة، ولا التقليل من معاناتها، ولا تبرئة أي رجل مؤذٍ من مسؤوليته. لكنه يعني شيئًا مهمًا جدًا: أن العدالة الإنسانية لا تكون بفتح عيوننا على جراح طرف واحد فقط. فكما تتأذى المرأة من بعض الرجال الأقرب إليها، يتأذى الرجل أيضًا من بعض النساء الأقرب إليه. والإنصاف الحقيقي يبدأ حين نعترف أن القلوب كلها قابلة للكسر، وأن الأقرب إلينا هم الأكثر قدرة على شفائنا أو جرحنا.

 

الأم مثلًا لا تصنع فقط ذكريات الطفولة، بل تصنع أيضًا صورة الرجل عن نفسه. حين يكبر وهو يشعر أن رضى أمه دائمًا بعيد، وأنه مهما فعل لا يكفي، فإنه قد يحمل هذا الشعور معه إلى كل علاقاته. وحين تكون الحبيبة هي المكان الأول الذي قرر أن يضع فيه ضعفه، ثم يواجه فيها الاستخفاف أو الخيانة أو التقليل، فإن الكسر لا يكون عاطفيًا فقط، بل يمس إحساسه بقيمته. أما الزوجة، فهي ليست مجرد شريكة حياة، بل في نظر كثير من الرجال آخر مساحة يتمنون أن يجدوا فيها الأمان. فإذا صار البيت ساحة لوم دائم، أو احتقار، أو تجاهل، فإن الرجل قد يعيش من الخارج بصورة طبيعية، لكنه من الداخل ينهار بصمت.

 

بعض الرجال لا يعرفون حتى كيف يسمون ما يشعرون به. هل هو حزن؟ هل هو خذلان؟ هل هو فقد؟ هل هو غضب؟ هم فقط يشعرون أن شيئًا فيهم انكسر، وأنهم لم يعودوا كما كانوا. ولهذا نحتاج أن نغير طريقتنا في النظر إلى الرجال. لا باعتبارهم دائمًا الطرف الأقوى الذي لا يتألم، بل باعتبارهم بشرًا أيضًا، لهم مناطق هشاشة، ولهم احتياج للحب الآمن، ولهم جراح قديمة يخفونها لأن المجتمع لا يرحم الرجل حين يبكي.

 

ربما حان الوقت لنسأل سؤالًا مختلفًا: كم رجلًا بدا صعبًا، بينما هو في الحقيقة مجروح؟ وكم رجلًا تأخر في التعبير، لا لأنه لا يشعر، بل لأنه لم يتعلم أن مشاعره مسموح بها؟ وكم رجلًا احتاج فقط إلى امرأة تفهمه بدل أن تحاكمه، وتسمعه بدل أن تسخر منه، وتحتويه بدل أن تختبر صموده كل يوم؟

 

الرجل لا يحتاج إلى تمجيد زائف، ولا إلى إعفاء من المسؤولية، لكنه يحتاج إلى شيء بسيط وعادل: أن يُرى. أن يُفهم. أن يُعترف بأن ألمه حقيقي حتى لو لم يصرخ به. وأننا حين نتحدث عن الوجع الإنساني، فلا ينبغي أن نستثنيه فقط لأنه تربى على الصمت.

 

أوجاع الرجل التي لا يراها أحد ليست أقل قسوة لأنها مخفية. بل ربما كانت أشد، لأنها تبقى داخله سنوات من دون اسم، ومن دون اعتراف، ومن دون يد تربت على قلبه وتقول له: نعم، ما مررت به كان موجعًا فعلًا.

 

ولو أردنا علاقات أكثر صحة ورحمة، فعلينا أن نتوقف عن التعامل مع وجع الرجل كأنه تفصيل ثانوي. لأن الرجل حين يُجرح من المرأة التي ربّته، أو أحبها، أو تزوجها، لا يفقد فقط راحته، بل قد يفقد شيئًا من ثقته في نفسه، وفي الحب، وفي العالم كله.

 

هذه ليست إدانة للمرأة، بل دعوة إلى عدل أعمق. دعوة إلى أن نفهم أن أقسى الطعنات لا تأتي من الغرباء، بل من أولئك الذين منحناهم مكانًا في القلب. والرجل، مهما بدا قويًا، قد تكون أوجاعه الكبرى مختبئة خلف صمته الطويل، فقط لأن المرأة الأقرب إليه كانت في لحظة ما، مصدر الجرح بدل أن تكون مصدر الأمان.