الاكتئاب لا يبدأ دائمًا من صدمة.. أحيانًا يبدأ من إهمال يومي على المائدة
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
بقلم: الدكتورة ماريان أسعد
نحن نتحدث كثيرًا عن الاكتئاب بوصفه نتيجة صدمة، أو فقد، أو ضغط نفسي، أو قسوة الحياة. وهذا صحيح. لكننا لا نتوقف بالقدر الكافي أمام حقيقة أخرى هادئة وخطيرة: أن النفس لا تنهك فقط مما يحدث لها، بل أيضًا مما يتكرر داخلها كل يوم، ومنه الطعام.
الفكرة ليست أن الطعام وحده يصنع الاكتئاب، ولا أن العلاج النفسي يمكن استبداله بنظام غذائي. هذا تبسيط ظالم. لكن الصحيح أيضًا أن نوعية الأكل لم تعد مسألة صحة جسدية فقط، بل أصبحت جزءًا من الصحة النفسية نفسها. لأن الإنسان لا يعيش على السعرات وحدها، بل على ما يمنحه التوازن والطاقة والقدرة على الاحتمال.
المشكلة اليوم أن كثيرين لم يعودوا يأكلون ليغذوا أجسادهم، بل ليطفئوا تعبهم.
نأكل لأننا مرهقون.
نأكل لأننا متوترون.
نأكل لأننا لا نملك طاقة لنهتم بأنفسنا كما يجب.
ثم نستغرب لماذا نزداد خمولًا، وتقلبًا، وضيقًا.
الأكل الرديء لا يترك أثره على الوزن فقط، بل قد يترك أثره على المزاج، وعلى التركيز، وعلى النوم، وعلى قدرة الإنسان على مقاومة الانطفاء الداخلي. وحين يعيش الإنسان طويلًا على وجبات سريعة، وسكريات عالية، وطعام فقير القيمة، فهو لا يرهق جسده فقط، بل يدفع دماغه أيضًا إلى مزيد من الاضطراب والاستنزاف.
لكن الزاوية الأهم هنا ليست التخويف، بل الفهم.
فالشخص المنهك نفسيًا لا يحتاج إلى محاضرة، بل إلى رحمة.
لا يحتاج إلى من يقول له: لماذا لا تهتم بنفسك؟
بل إلى من يفهم أن من يفقد شهيته، أو يفرط في الأكل، أو يعجز عن إعداد وجبة بسيطة، قد لا يكون مهملًا، بل متعبًا إلى درجة لا يراها أحد.
ومن هنا تبدأ الحلول الحقيقية.
ليس بالكمال، بل بالخطوات الممكنة:
ابدأ من وجبة واحدة متوازنة في اليوم، لا من تغيير حياتك كلها دفعة واحدة.
خفف الأكل المصنع قدر الإمكان، لأنه يملأ المعدة ولا يساند النفس.
اجعل في البيت خيارات سهلة ومغذية، لأن الإنسان المتعب يختار ما هو متاح، لا ما هو مثالي.
انتبه إلى البروتين، والخضروات، والدهون الصحية، وشرب الماء، والنوم، لأن الصحة النفسية لا تنفصل عن هذه الأساسيات.
ولا تؤجل طلب المساعدة إذا شعرت أن الحزن أعمق من أن تعالجه المائدة وحدها.
هذا هو الفارق الذي يجب أن نفهمه:
الطعام ليس العلاج الوحيد، لكنه قد يكون جزءًا من النجاة.
وليس سبب الاكتئاب الوحيد، لكنه قد يكون أحد الأبواب التي يتسلل منها التعب إلى الروح بصمت.
في زمن صار فيه الإنسان يستهلك نفسه كل يوم، ربما حان الوقت لنعيد النظر إلى المائدة لا بوصفها مكانًا للأكل فقط، بل بوصفها جزءًا من الرعاية النفسية.
فبعض الألم لا يبدأ من مأساة كبيرة، بل من إهمال صغير يتكرر كل يوم، حتى يصبح ثقيلًا على القلب والعقل معًا.
إذا أردنا فعلًا أن نخفف من الاكتئاب، فعلينا ألا نسأل فقط: ماذا نشعر؟
بل أيضًا: ماذا نأكل، وكيف نعيش، ولماذا نهمل أنفسنا ثم نطلب منها أن تصمد؟
الوسوم
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly5252 المقالات
منشورات شائعة
-
مونتريال تستضيف لقاءً تحض...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
-
13 عملاً في القائمة القصي...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
-
الكبد والحمل.. لماذا تحذّ...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
-
أكتوبر الوردي: 89 امرأة ت...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!