الوضع المظلم
التسويق النفسي.. حين تتحول الثقة إلى غرور والاستقلال إلى استغناء

التسويق النفسي.. حين تتحول الثقة إلى غرور والاستقلال إلى استغناء

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

في السنوات الأخيرة، تصاعدت الدعوات التي تمجّد الثقة بالنفس والاستقلال الذاتي، باعتبارهما طريقًا إلى شخصية أقوى وحياة أكثر توازنًا. من حيث المبدأ، تبدو هذه الرسائل إيجابية وملهمة، لكن المشكلة لا تبدأ دائمًا من الفكرة نفسها، بل من طريقة تقديمها، ومن كيفية تلقّيها وفهمها.

 

فليس كل من يتحدث في أعماق النفس البشرية مؤهلًا لذلك فعلًا، كما أن بعض من يروّجون لهذا الخطاب قد تحركهم الرغبة في تحقيق مكاسب مادية أكثر من حرصهم على بناء وعي سليم لدى الناس.

 

أما الخلل الأكبر، فيظهر أحيانًا عند المتلقي نفسه، حين يتعامل مع هذه المفاهيم بصورة سطحية أو مشوّهة. فالثقة بالنفس، على سبيل المثال، قد تُفهم بشكل مقلوب، فتتحول من اتزان داخلي إلى غرور، ومن احترام للذات إلى حدّة في التعامل، ورفض للاختلاف، وعدم تسامح مع تقصير الآخرين، وكأن الواثق بنفسه شخص لا يجوز لأحد أن يقترب من حدوده أو يناقشه.

 

لكن الثقة بالنفس في صورتها السوية ليست قسوة ولا تعاليًا، بل هي لين واتزان، وهي هدوء وابتسامة أمام غرور الآخرين، وهي صمت حين يصبح الكلام عبئًا لا جدوى منه. وهي أيضًا القدرة على اتخاذ القرار الصائب في الأوقات الصعبة، دون ضجيج أو استعراض.

 

ومن هنا، يصبح من الضروري أن يحافظ الإنسان على ذلك الخيط الرفيع بين الثقة والغرور، حتى لا تتصلب أخلاقه وهو يظن أنه يطوّر نفسه.

 

والأمر نفسه ينطبق على مفهوم الاستقلال الذاتي. فالاستقلال لا يعني الاستغناء، ولا يعني أن يتخلى الإنسان عمّن يحبهم أو يتعامل مع حاجته إلى الآخرين بوصفها ضعفًا. من الجميل أن يكون للمرء استقلاله الفكري، ورأيه الخاص، وقدرته المادية التي تحفظ كرامته، لكن هذا لا يعني إلغاء أدوار من حوله أو التقليل من قيمة السند الإنساني في الحياة.