الملافظ عقد: حين تصبح الكلمة مسؤولية
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
“مقال رأي بقلم آلاء سليمان”
تظن أحيانا أن الكلام يمرّ مثل الهواء: يُقال وينتهي. لكن الحقيقة أن الكلمة لا تمضي هكذا ببساطة. ما يخرج من لسانك قد يُحسب لك أو عليك، وقد تُدان به قبل أن تُدان بغيره. حتى قصصك اليومية، وتعليقاتك العابرة، ونبرة صوتك عندما تشرح أو تعاتب… كلها تترك أثرا، وبعضها يظل أطول مما تتخيل.
نحن لا نعيش بالكلام فقط، نحن نتشكل به. هناك كلمات صغيرة تتناثر من أفواهنا طوال اليوم: مزحة في غير موضعها، نقد بلا رحمة، شكوى تتكرر، أو رأي يُقال بلا تثبت. هذه الكلمات قد تسحب من طاقتك أنت، وقد تُضيف ثقلا على الآخرين من دون أن تقصد. وأحيانا تكون الكلمات “مشتعلة”: لا تُرى كالنار، لكنها تحرق متلقيها، وتترك في قلبه أثرا لا يطفئه الاعتذار السريع.
لكن إن أردنا أن نفهم قيمة الكلام حقا، فلننظر إلى أكثر أشكاله حساسية: الوعد. الوعد ليس جملة جميلة تُقال لإرضاء الناس، بل معنى واضح وغرض محدد ومسؤولية. إذا خرج الوعد من شخص واعٍ، يعرف قدر الكلمة ويزنها، صار وعده عقدا أخلاقيا يُوفى. أما إذا خرج من شخص متسرع أو غير واعٍ، صار الوعد مجرد صوت، وسرعان ما يُنقض. والأسوأ عندما تُقال الوعود لا رغبة في الوفاء، بل رغبة في الوصول لغرض، بينما سريرة القائل ليست سليمة. هنا تتحول الكلمة من قيمة إلى وسيلة، ومن أمان إلى خداع.
ومن هنا نفهم لماذا يُشار إلى الحكيم صاحب المكانة بأنه “كلمته كلمة”. لا لأن كلامه كثير، بل لأن كلامه قليل وموزون. هو يعرف أن الحروف تتشابك، وأن الجملة قد تُفهم على غير مرادها، وأن الكلمة إذا خرجت لا تعود إلى الفم. لذلك لا يتعامل مع الكلام كأنه أمر رخيص، ولا يوزعه على الناس بلا حساب. وفي المقابل، لا يستهين بالكلام إلا كثير الكلام، ولا يقدّر الكلام إلا من عرف قدر الصمت وقدر الحرف معا.
الغريب أن هذا المعنى نعرفه منذ طفولتنا. عندما نكون صغارا، نبدأ الفصاحة علامة على نموّنا، ونسمع تصحيح الكبار لنا كي نختار اللفظ الصحيح. ونطمئن في النوم، لا لأن الغرفة صارت أهدأ، بل لأننا نغفو على همسات الأمهات. تلك الهمسات لم تكن مجرد صوت؛ كانت طمأنينة. ومن هنا نتعلم أن الكلمة قد تكون مأوى، وقد تكون علاجا، وقد تكون حنانا… قبل أن نكبر ونكتشف أنها قد تكون أيضا سلاحا.
ومثلما يصنع الكلام أمانا داخل البيت، يصنع في المجتمع نتائج أكبر مما نتصور. مصائر تُحسم بكلمات. قوانين تُسن بكلمات. علاقات تُبنى بكلمات وتنهار بكلمات. ومنذ الولادة إلى الوفاة، حياتنا تسيرها أقوال وقرارات وتوقيعات، كلها كلمات في النهاية. بل إن الإنسان قد يغيّر طريقه بكلمة صدق، أو يضيّع فرصته بكلمة تسرع. وتُعقد العقيدة بكلمة، وتُرجى الخاتمة الحسنة بكلمة طيبة. حتى ما وراء حياتنا، ما لا نعرفه ولا نراه، نُسأل ونُجيب بكلمات.
وإذا رجعنا إلى أصل خطابنا مع خالقنا، وجدنا أن أعظم ما وصلنا كان كلاما: نورا يتلى ويهدي. ديننا بدأ بأمر واضح: اقرأ. والقراءة ليست فقط كلمات على ورق، بل وعي يضبط الفهم ويهذّب اللسان. حين يزداد وعي الإنسان، يقلّ كلامه المؤذي، ويكثر كلامه النافع، لأنه صار يعرف متى يتكلم، ومتى يصمت، وماذا يقول، ولمن يقول.
لهذا، حين نعي ما نقوله فعلا، نحصّن أنفسنا من سيئ الأخلاق: من الكذب، ومن نقض الوعد، ومن الغيبة، ومن طعن الناس بكلمات نلقيها ثم نمضي. ونحمي قلوب الآخرين من أذى كان يمكن تفاديه بكلمة ألين، أو بصمت أكرم.
حتى الحروب—وهي أقسى ما يصنع البشر—قد تبدأ بمشاحنة كلمات، وقد تُطفأ بعقد هدنة من كلمات. هذا وحده كافٍ لنعرف أن الكلام ليس تفصيلا صغيرا. إنه قوة تُشعل وتُطفئ، تُقرب وتُبعد، تُصلح وتُفسد.
ومن هنا أصل إلى عبارتي التي أحب أن أضعها ميزانا: الملافظ عقد. ليس لأننا نريد تشديدا على الناس، بل لأن الاستهانة بالكلام تفتح بابا لا يُغلق بسهولة: باب سقوط الثقة. والكلمة إذا سقطت ثقتها، سقط معها كل شيء بعدها.
وفي لهجتنا مثل شعبي يقول: “الملافظ سعد”. أي اجعل لفظك يُدخل السعادة على متلقيه. وأنا أؤمن به تماما. لكنني أضيف: إذا كان “الملافظ سعد” في أثره، فهو “الملافظ عقد” في مسؤوليته. فهونًا على من يستهين بالكلمة، لأن الكلمة إن لم ترفعك قد تُسقطك، وإن لم تُصلح قد تُفسد، وإن لم تُسعد قد تجرح.
الكلمة ليست مجرد صوت. الكلمة موقف. والكلمة عقد.
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly5252 المقالات
منشورات شائعة
-
مونتريال تستضيف لقاءً تحض...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
-
13 عملاً في القائمة القصي...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
-
الكبد والحمل.. لماذا تحذّ...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
-
أكتوبر الوردي: 89 امرأة ت...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!