الوضع المظلم
الوجع الذي لا يظهر في الصور

الوجع الذي لا يظهر في الصور

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

 

في الصور، يبدو الناس بخير.

ابتسامات مرتبة، ملابس أنيقة، خلفيات جميلة، وكلمات قصيرة توحي بأن الحياة تمضي بسلاسة. لكن خلف كل صورة هناك حكاية لا تُرى. هناك قلب يتظاهر بالقوة، وامرأة دفعت ثمن البقاء واقفة، ورجل يبتلع قلقه كي لا ينهار أمام أولاده، وأم تحسب الفواتير قبل أن تحسب أحلامها.

 

نحن نعيش زمناً صار فيه التعب يُخفى كأنه عيب، والاحتياج يُدار بصمت، والانكسار يُغطى بمنشور جميل أو عبارة مطمئنة. كثيرون يكتبون “الحمد لله” وهم في الحقيقة يحتاجون إلى يد تمتد إليهم، لا إلى تعليق عابر أو نصيحة قاسية.

 

أحياناً، أكثر الناس ابتساماً هم أكثرهم وجعاً. ليس لأنهم يحبون التمثيل، بل لأن الحياة علمتهم أن الشكوى لا تجد دائماً أذناً رحيمة. بعضهم جرب أن يتكلم، فلم يسمع إلا: “كلنا عندنا مشاكل.” وبعضهم فتح قلبه، فوجد من يحاسبه بدلاً من أن يحتويه. لذلك اختار الصمت، وقرر أن يحمل وجعه وحده.

 

في الغربة، يصبح هذا الوجع أكثر قسوة.

 

الغربة ليست فقط أن تعيش بعيداً عن وطنك. الغربة أحياناً أن تكون محاطاً بالناس ولا تجد من يفهمك. أن تملك هاتفاً مليئاً بالأسماء، لكنك لا تعرف من تتصل به عندما تضيق بك الدنيا. أن تذهب إلى عملك كل صباح، وتعود في المساء إلى بيت مرتب، لكنه بارد من الداخل. أن تنجح أمام الناس، بينما داخلك يتساءل: إلى متى أستطيع أن أواصل؟

 

كم من أم في كندا أو في أي بلد جديد تحمل فوق كتفيها بيتاً كاملاً، وتبتسم كي لا يشعر أطفالها بالخوف؟ كم من مهاجر بدأ من الصفر أكثر من مرة، وابتلع كرامته في مواقف كان يتمنى لو لم يمر بها؟ كم من إنسان يملك شهادة وخبرة وتاريخاً، لكنه اضطر أن يثبت نفسه من جديد كأنه لم يكن شيئاً من قبل؟

 

هذه الحكايات لا تظهر في نشرات الأخبار كثيراً. لا أحد يصور لحظة الخيبة عندما تصل رسالة رفض عمل بعد انتظار طويل. لا أحد يرى دمعة المرأة التي تغلق باب الحمام كي تبكي بعيداً عن أطفالها. لا أحد يسمع تنهيدة الأب وهو يراجع حساب البنك قبل أن يشتري شيئاً لنفسه. لا أحد يعرف حجم المعركة التي يخوضها الإنسان كي يبدو عادياً.

 

والأصعب أن المجتمع أحياناً لا يرحم الضعف. يريد منك أن تكون قوياً دائماً، ناجحاً دائماً، مبتسماً دائماً. لكن الإنسان ليس آلة. الإنسان يتعب، يخاف، ينهار، ثم يحاول من جديد. وليس كل من سقط فاشلاً، وليس كل من صمت راضياً، وليس كل من ابتعد متكبراً. أحياناً يبتعد الإنسان فقط لأنه استُنزف.

 

نحتاج أن نعيد الرحمة إلى علاقتنا ببعض.

 

نحتاج أن نسأل السؤال بصدق: “كيف أنت؟” لا كتحية سريعة، بل كباب آمن لمن يريد أن يتكلم. نحتاج أن نكف عن الحكم على الناس من الخارج. لا نعرف ما الذي يحمله كل إنسان في قلبه، ولا نعرف كم مرة قاوم الانهيار قبل أن يجلس أمامنا مبتسماً.

 

القوة ليست ألا تبكي. القوة أحياناً أن تبكي ثم تغسل وجهك وتكمل. القوة ليست أن تتحمل كل شيء وحدك. القوة أن تعرف متى تطلب المساعدة، ومتى تقول: أنا تعبت. القوة ليست في إخفاء الوجع، بل في الاعتراف بإنسانيتنا دون خوف من قسوة الآخرين.

 

هناك أناس لا يحتاجون إلى محاضرة. يحتاجون فقط إلى كلمة حنونة. إلى رسالة تقول: “أنا حاسس بيك.” إلى زيارة قصيرة. إلى سؤال بلا فضول. إلى دعم بلا منّ. إلى مساحة آمنة لا يُتهمون فيها بالضعف ولا يُطلب منهم أن يبرروا ألمهم.

 

في كل بيت حكاية. وفي كل قلب غرفة مغلقة لا يدخلها أحد. لذلك، قبل أن نحكم، لنتذكر أننا لا نرى إلا السطح. قبل أن نسخر من تأخر أحدهم، لنتذكر أنه ربما كان يحارب معركة لا نعرفها. قبل أن نصف شخصاً بأنه تغير، لنسأل أنفسنا: هل تغير فعلاً، أم أنه تعب من أن يكون متاحاً للجميع؟

 

الإنسان لا يحتاج دائماً إلى حلول كبيرة. أحياناً يحتاج فقط إلى أن يشعر أنه ليس وحده. أن يعرف أن هناك من يراه، لا صورته فقط. من يسمع صمته، لا كلماته فقط. من يصدق تعبه، حتى لو لم يستطع شرحه.

 

في النهاية، أجمل ما يمكن أن نمنحه لبعضنا ليس المال ولا النصائح ولا العبارات الجاهزة. أجمل ما نمنحه هو الرحمة.

رحمة بمن يحاول أن يبدأ من جديد. رحمة بمن كبر عمره ولم تكبر فرصه. رحمة بمن فقد الأمان. رحمة بمن أخطأ ثم ندم. رحمة بمن يتظاهر بالقوة وهو في داخله يطلب النجاة.

 

فلنكن أخف على بعضنا.

فالعالم قاسٍ بما يكفي، ولا يحتاج منا أن نزيده قسوة.