الوضع المظلم
تنظيم المشاعر ليس ضعفًا... بل رحمة ناضجة بالنفس

تنظيم المشاعر ليس ضعفًا... بل رحمة ناضجة بالنفس

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

د. مصطفى حسن

ليست القوة أن نعيش بلا دموع، ولا أن نبدو دائمًا متماسكين من الخارج، ولا أن ننجح في إخفاء ما يضطرب في الداخل. القوة الحقيقية أحيانًا تكون أكثر هدوءًا وأقل استعراضًا. تكون في قدرتنا على أن نشعر، ثم نتعامل مع ما نشعر به بوعي ورحمة، لا بعنف ولا بإنكار.

 

كثير من الناس يخلطون بين تنظيم المشاعر وكبتها. يظنون أن النضج يعني أن يبتلع الإنسان غضبه، ويؤجل حزنه، ويخفي قلقه، ويتصرف كأن شيئًا لم يكن. لكن ما يتم دفنه في الداخل لا يختفي. هو فقط يغيّر شكله. يعود في صورة توتر مزمن، أو ضيق في الصدر، أو نوبات انفعال، أو إرهاق نفسي، أو فتور في العلاقات، أو شعور ثقيل بالعجز لا يجد صاحبه له تفسيرًا واضحًا.

 

تنظيم المشاعر لا يعني أن نطفئ ما في داخلنا، بل أن نتعلم كيف نرافقه من دون أن يدمّرنا. لا يعني أن نمنع أنفسنا من الغضب أو الحزن أو الخوف، بل أن نفهم ما الذي يحدث لنا حين ترتفع هذه المشاعر، ثم نختار طريقة أكثر أمانًا وكرامة للتعامل معها.

 

في لحظات الانفعال، لا يحتاج الإنسان دائمًا إلى نصيحة بقدر ما يحتاج إلى وعي. أن ينتبه إلى جسده حين يتشنج. أن يلاحظ ضيق أنفاسه. أن يسمع السرعة في نبضه. أن يسأل نفسه بصدق: ماذا يحدث داخلي الآن؟ هل أنا غاضب فعلًا، أم مجروح؟ هل أنا منزعج من هذا الموقف فقط، أم أن هذا الموقف لمس فيَّ خوفًا أقدم أو ألمًا لم يهدأ بعد؟

 

هذه الأسئلة لا تُضعف الإنسان، بل تعيده إلى نفسه. لأنها تنقله من رد الفعل إلى الفهم، ومن الاندفاع إلى التبصّر، ومن القسوة على الذات إلى احتضانها.

 

الحقيقة التي نحتاج إلى تذكير أنفسنا بها هي أن صعوبة تنظيم المشاعر لا تعني أنك مكسور. أحيانًا يكون السبب أنك مرهق، محروم من النوم، أو تعيش تحت ضغط مستمر، أو تحمل داخلك جراحًا لم تجد يومًا المساحة الآمنة التي تُفهم فيها. وأحيانًا تكون قد تعلّمت منذ وقت مبكر أن النجاة تكون بالصمت الشديد، أو بالانفجار الشديد. وفي كلتا الحالتين، لا يكون الأمر عيبًا في شخصيتك، بل أسلوب بقاء تعلّمته النفس لتحمي نفسها حين لم تجد طريقة أخرى.

 

ولهذا، فإن تنظيم المشاعر ليس تدريبًا على البرود، بل تدريب على الرحمة. هو أن تقول لنفسك في لحظة الفوضى: أنا لا أحتاج الآن إلى لوم نفسي، بل إلى أن أفهمها. لا أحتاج إلى أن أدفن هذا الشعور، بل إلى أن أسمعه من دون أن أتركه يقودني إلى ما يؤذيني أو يؤذي من أحب.

 

ومن أبسط الخطوات التي تساعد في ذلك أن تبدأ بالملاحظة. ماذا يحدث في جسدي الآن؟ ثم التسمية: ما هذا الشعور الذي أعيشه؟ وبعدها الفهم: ما الذي أيقظه؟ ثم تأتي الخطوة الأهم، وهي أن أتصرف بدعم لا بعنف. أبطئ تنفسي. أؤجل الرد. أبتعد قليلًا. أغسل وجهي. أهدّئ جسدي قبل أن أتكلم أو أقرر.

 

ليس المطلوب أن نصبح هادئين طوال الوقت. هذا ليس إنسانيًا أصلًا. المطلوب فقط أن نصبح أقدر على البقاء مع أنفسنا حين تضطرب مشاعرنا، من دون أن نهرب منها، ومن دون أن نتركها تبتلعنا.

 

كم من علاقة انكسرت لأن أحد طرفيها لم يعرف كيف يقول: أنا متألم، فقال بدلًا منها كلامًا جارحًا. وكم من شخص بدا قويًا في عيون الجميع، بينما كان ينهار داخليًا لأنه لم يتعلم أبدًا كيف يحتوي مشاعره بطريقة صحية.

 

الصحة النفسية لا تعني غياب المشاعر الصعبة. بل تعني أن نملك مهارة التعامل معها. أن نتألم من دون أن نتحطم. أن نغضب من دون أن نؤذي. أن نحزن من دون أن نختفي من الحياة. وأن نبقى أوفياء لأنفسنا حتى حين تعبرنا العاصفة.

 

تنظيم المشاعر ليس سيطرة قاسية على القلب. بل علاقة أكثر لطفًا معه. وليس المطلوب أن نصبح أقل إحساسًا، بل أكثر وعيًا بما نحس، وأكثر رحمة في الطريقة التي نحمله بها.

 

فالإنسان لا يشفى حين يتوقف عن الإحساس، بل حين يتعلم كيف يحمل إحساسه من دون أن ينكسر.