الوضع المظلم
حين تصبح القسوة “وجهة نظر”

حين تصبح القسوة “وجهة نظر”

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

بقلم: د. عبير القاضي

لم يعد الخلاف بين الناس مجرد اختلاف في الرأي، بل أصبح في أحيان كثيرة اختبارًا قاسيًا للإنسانية. نختلف فنجرح، نغضب فنفضح، ننتقد فنكسر، ثم نسمي ذلك كله صراحة أو قوة شخصية أو دفاعًا عن الحق.

 

والحقيقة أن كثيرًا مما نراه اليوم ليس قوة، بل عجز عن ضبط النفس. وليس وضوحًا، بل قسوة خرجت في ثوب الرأي.

 

في حياتنا اليومية، داخل البيت، في العمل، على مواقع التواصل، وحتى في النقاشات العائلية العابرة، أصبح من السهل أن يتحول الإنسان إلى قاضٍ سريع الأحكام. نسمع جزءًا من الحكاية فنصدر الحكم كاملًا. نرى تصرفًا واحدًا فنختصر صاحبه فيه. نختلف مع شخص فننسى كل ما كان بيننا من احترام أو مودة أو تاريخ.

 

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية: حين نفقد القدرة على رؤية الإنسان كاملًا، لا خطأه فقط.

 

لا أحد منا بلا ضعف. ولا أحد منا لم يتصرف يومًا بطريقة ندم عليها لاحقًا. ولا أحد منا يعرف على وجه الدقة ما الذي يحمله الآخرون في صدورهم من خوف أو ضغط أو خيبة أو تعب. لذلك كان الرفق دائمًا علامة وعي، لا علامة ضعف. وكان التريث قبل الحكم دليل نضج، لا ترددًا.

 

القسوة قد تنتصر في لحظة، لكنها لا تبني علاقة. قد تُسكت الطرف الآخر، لكنها لا تقنعه. قد تمنح صاحبها شعورًا مؤقتًا بالتفوق، لكنها تترك خلفها أثرًا طويلًا من الانكسار والمرارة.

 

أما الإنسان الناضج، فهو لا يحتاج أن يؤذي كي يثبت أنه على حق. ولا يحتاج أن يرفع صوته كي تكون حجته أقوى. ولا يفرح بإحراج غيره، لأن كرامة الناس عنده ليست ساحة لإثبات الذات.

 

نحن بحاجة إلى إعادة تعريف القوة في حياتنا. القوة ليست أن ترد الإساءة بإساءة أشد، بل أن تمتلك نفسك لحظة الغضب. ليست أن تنتصر في كل جدال، بل أن تعرف متى يكون الصمت أرقى من الكلام. ليست أن تكشف عيوب الآخرين، بل أن تساعدهم على النهوض دون أن تفضح هشاشتهم.

 

وهذا لا يعني أن نبرر الخطأ أو نسكت عن الظلم أو نسمح لأحد باستباحة حدودنا. فالرحمة لا تلغي الحزم، والرفق لا يعني التنازل عن الحق. لكن الفرق كبير بين أن تضع حدًا باحترام، وأن تنتقم باسم الكرامة. وبين أن ترفض سلوكًا، وأن تهين إنسانًا كاملًا بسببه.

 

مجتمعاتنا، في الداخل والخارج، تحتاج اليوم إلى لغة أكثر هدوءًا وعدلًا. لغة تعترف بأن الناس لا يتغيرون بالصراخ، ولا يراجعون أنفسهم تحت الإهانة، ولا يصبحون أفضل حين يشعرون بأنهم محاصرون ومرفوضون.

 

قد يكون أجمل ما نقدمه لمن حولنا ليس النصيحة الكاملة، ولا الحكم الصائب، بل مساحة آمنة تسمح لهم أن يكونوا بشرًا، يخطئون، يتعلمون، ويعودون دون خوف من التشهير أو السخرية.

 

وفي النهاية، لا تُقاس إنسانية المرء بكلامه حين يكون راضيًا، بل بطريقته حين يختلف. ولا تظهر الأخلاق في لحظات الراحة، بل في لحظات الغضب والخصومة والخذلان.

 

فلننتبه جيدًا: حين تصبح القسوة عادة، لا يبقى في العلاقات منتصرون. يبقى فقط أناس يعرفون كيف يجرحون بعضهم، ولا يعرفون كيف يعودون كما كانوا.

 

الخلاصة أن الرفق ليس ترفًا أخلاقيًا، بل ضرورة إنسانية. ومن لا يتعلم كيف يختلف برحمة، سيخسر مع الوقت حتى الذين يحبونه.