حين يتعب الإنسان من التماسك
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
د. عبير القاضي
هناك نوع من التعب لا يظهر في الوجه، ولا يسمعه الآخرون في الصوت، ولا يلاحظه من يمرون بجانبنا كل يوم. تعب لا يشبه المرض العابر، ولا الإرهاق بعد يوم طويل، بل يشبه حملًا داخليًا مستمرًا، كأن الإنسان مطالب دائمًا أن يكون قويًا، هادئًا، متفهمًا، ومتاحًا للجميع.
في زمن السرعة، أصبحنا نقيس الإنسان بقدرته على الإنجاز لا بقدرته على الاحتمال. نسأل: ماذا أنجزت؟ ماذا نشرت؟ ماذا قدمت؟ لكننا نادرًا ما نسأل: كيف قلبك؟ هل نمت جيدًا؟ هل ما زال داخلك قادرًا على الفرح؟ وهل تحتاج أن تتوقف قليلًا دون أن تشعر بالذنب؟
كثيرون يعيشون ما يمكن أن نسميه “الإرهاق الصامت”. يبتسمون في المناسبات، يردون على الرسائل، يطمئنون الآخرين، ويمارسون أدوارهم اليومية بدقة، لكنهم في الداخل يشعرون أن شيئًا ما انطفأ. ليس لأنهم ضعفاء، بل لأنهم ظلوا أقوياء أكثر مما ينبغي، ولأنهم اعتادوا أن يكونوا السند، حتى نسوا أن السند نفسه يحتاج إلى من يربت على كتفه.
المشكلة أن المجتمع أحيانًا يكافئ الإنسان الذي لا يشتكي. يصفه بأنه صبور، عملي، متماسك، بينما الحقيقة أن التماسك المستمر قد يكون أحيانًا صرخة مؤجلة. الإنسان لا ينهار فجأة؛ هو يتآكل بهدوء حين لا يجد مساحة آمنة يقول فيها: أنا متعب.
نحتاج أن نعيد تعريف القوة. القوة ليست أن نتحمل كل شيء وحدنا، وليست أن نبدو بخير طوال الوقت. القوة الحقيقية أن نعترف بالتعب قبل أن يتحول إلى انكسار، وأن نطلب المساندة قبل أن نصبح عاجزين عن طلبها، وأن نمنح أنفسنا حق الراحة دون شعور بالذنب.
وللنساء تحديدًا، هذا المعنى أكثر قسوة. فالكثير من النساء يحملن مسؤوليات البيت والعمل والأبناء والعلاقات والقلق اليومي، ثم يُطلب منهن أن يبدين هادئات ومتماسكات. لكن المرأة ليست آلة رعاية لا تتعب، وليست قلبًا مفتوحًا دائمًا بلا حدود. من حقها أن تتوقف، أن تقول لا، أن تعتذر عن بعض الأدوار، وأن تختار نفسها أحيانًا دون أن تُتهم بالأنانية.
في لحظات الإرهاق، لا نحتاج دائمًا إلى حلول كبيرة. أحيانًا نحتاج فقط إلى نوم عميق، صديق يسمع دون نصائح كثيرة، صلاة هادئة، بكاء بلا خجل، أو يوم لا نطالب فيه أنفسنا بأن نكون كاملين. التعافي يبدأ حين نكف عن جلد أنفسنا، ونتعامل مع أرواحنا بالرحمة نفسها التي نقدمها للآخرين.
رسالتي لكل من يشعر أنه متعب من التماسك: لا تنتظر أن تنهار كي تستريح. أنت لا تحتاج إلى إثبات قوتك كل يوم. يكفي أنك حاولت، وصبرت، ووقفت كثيرًا. والآن، من حقك أن تجلس قليلًا، أن تلتقط نفسك، وأن تتذكر أن الإنسان لا يفقد قيمته حين يتعب، بل يحتاج فقط إلى حضن آمن ومساحة رحيمة يعود فيها إلى نفسه.
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly5250 المقالات
منشورات شائعة
-
مونتريال تستضيف لقاءً تحض...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
-
13 عملاً في القائمة القصي...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
-
الكبد والحمل.. لماذا تحذّ...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
-
أكتوبر الوردي: 89 امرأة ت...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!