قبل أن يصرخ الجسد… تعلّم أن تسمعه
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
بقلم: د. مصطفى حسن
كثيرًا ما نعتقد أن المشاعر تبدأ في الكلمات. نقول: أنا حزين، أنا خائف، أنا مضغوط، أنا غاضب. لكن الحقيقة أن الجسد غالبًا يعرف قبل اللسان. قبل أن نعترف بالقلق، قد تنقبض المعدة. قبل أن نقول إننا مرهقون، قد يهبط مستوى الطاقة فجأة. قبل أن نعترف بأننا غاضبون، قد ينشدّ الفك، أو ترتفع الكتفين، أو تضيق منطقة الصدر.
الجسد لا يبالغ. ولا يختلق الدراما. هو فقط يرسل إشارات مبكرة، أحيانًا هادئة جدًا، لأن شيئًا في الداخل يحتاج إلى انتباه.
في الصحة النفسية، هناك مفهوم مهم يُسمى Interoception، ويمكن أن نترجمه ببساطة إلى: القدرة على ملاحظة إشارات الجسد الداخلية وفهم معناها. ليس المقصود أن نخاف من كل إحساس، ولا أن نحول أجسادنا إلى مصدر قلق دائم، بل أن نتعلم الإصغاء الذكي. أن نسأل: ماذا يحدث داخلي؟ لماذا أشعر بهذا الضيق؟ هل أنا متوتر؟ هل أنا متعب؟ هل هناك مشاعر لم أعطها حقها في الكلام؟
الإنسان ليس عقلًا منفصلًا عن جسد. مشاعرنا لا تعيش في الرأس وحده. الخوف له أثر في التنفس. الحزن قد يظهر في ثقل الصدر. القلق قد يسكن المعدة. الغضب قد يتجمع في الرقبة والفك واليدين. لذلك، فإن تجاهل الجسد لا يجعل المشاعر تختفي، بل يجعلها تتراكم في صمت حتى تأتي في صورة أقوى: انهيار، بكاء مفاجئ، عصبية غير مفهومة، أرق، إنهاك، أو شعور بأننا لم نعد نحتمل.
المشكلة أن كثيرين منا تربوا على فكرة: “شد حيلك”، “كمّل”، “ما تقفش عند كل حاجة”، “طنّش”. وهذه الجمل قد تبدو قوية من الخارج، لكنها أحيانًا تدرب الإنسان على الانفصال عن نفسه. فيتعود أن يواصل العمل وهو منهك، وأن يبتسم وهو موجوع، وأن يهدئ الآخرين بينما داخله يحتاج من يطمئنه.
ليس كل ألم نفسيًا، وليس كل إحساس جسدي سببه العاطفة. وهذا أمر مهم. أي أعراض قوية أو متكررة أو مخيفة تحتاج إلى تقييم طبي، خصوصًا ألم الصدر، ضيق التنفس، الدوخة، أو أي تغير مفاجئ في الجسد. لكن بعد الاطمئنان الطبي، يبقى سؤال مهم: هل جسدي يحاول أن يخبرني بشيء عن حياتي، عن ضغوطي، عن علاقاتي، عن حدودي، عن حاجتي إلى الراحة؟
أحيانًا يكون الجسد أكثر صدقًا من المجاملة. قد نقول لشخص: “أنا بخير”، بينما تنقبض معدتنا كلما رأيناه. قد نقول: “الموضوع عادي”، بينما لا نستطيع النوم. قد نقول: “أنا سامحت”، بينما يبقى الجسد مشدودًا كأنه ما زال في معركة. هنا لا يكون الجسد ضدنا، بل معنا. هو لا يفضحنا، بل يحاول أن يحمينا.
الإصغاء للجسد ليس ضعفًا. هو شكل من أشكال النضج. الإنسان الواعي لا ينتظر حتى ينهار كي يستريح، ولا ينتظر حتى يصرخ كي يعترف بأنه موجوع. الوعي يبدأ من الملاحظة الصغيرة: كيف أتنفس الآن؟ أين أشعر بالتوتر؟ ما الذي تغير في جسدي بعد هذه المكالمة؟ لماذا أشعر بالثقل بعد هذا اللقاء؟ لماذا أحتاج إلى الهروب أو الصمت أو الأكل أو النوم فجأة؟
عندما نلاحظ، نستطيع أن نفهم. وعندما نفهم، نستطيع أن نختار استجابة أرحم. ربما نحتاج إلى نفس عميق. ربما نحتاج إلى راحة. ربما نحتاج إلى حدود. ربما نحتاج إلى حديث صادق. وربما نحتاج إلى مساعدة متخصصة. المهم ألا نعامل الجسد كعدو يجب إسكاته، بل كصديق يحاول أن ينبهنا قبل فوات الأوان.
هناك ثلاث خطوات بسيطة يمكن أن تساعدنا:
الأولى: لاحظ. توقف لحظة واسأل نفسك: ماذا أشعر في جسدي الآن؟
الثانية: سمِّ ما يحدث. هل هذا ضيق؟ خوف؟ غضب؟ حزن؟ إرهاق؟ ضغط؟
الثالثة: استجب برفق. تنفس، تمهّل، تمدد، اشرب ماء، استرح، اكتب ما تشعر به، أو تحدث مع شخص آمن قبل أن يكبر الضغط داخلك.
لسنا مطالبين أن نفهم كل شيء فورًا. ولسنا مطالبين أن نحل كل عقدة داخلية في لحظة. لكننا مطالبون ألا نهجر أنفسنا. أن نعطي الجسد حقه في أن يُسمع، وأن نعطي المشاعر حقها في أن تُفهم، وأن نتوقف عن البطولة الزائفة التي تجعل الإنسان يبدو قويًا بينما هو من الداخل يتآكل.
اسأل نفسك اليوم: ما الإشارة التي يكررها جسدي وأنا لا أريد أن أسمعها؟ هل أستمع مبكرًا، أم أنتظر حتى يصبح الألم عالي الصوت؟ ما الشعور الذي لا يجد طريقه إلى الكلمات، فيضطر أن يظهر في جسدي؟
جسدك ليس منفصلًا عنك. هو جزء من قصتك العاطفية. وأحيانًا، يكون أول من يعرف الحقيقة.
لذلك، قبل أن يصرخ الجسد… أنصت إليه.
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly5242 المقالات
منشورات شائعة
-
13 عملاً في القائمة القصي...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
-
مونتريال تستضيف لقاءً تحض...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
-
الكبد والحمل.. لماذا تحذّ...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
-
أكتوبر الوردي: 89 امرأة ت...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!