ليست الأم قاسية وحدها، بل الخوف الذي تربت عليه
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
دكتورة / عبير القاضي
هذه ليست حكاية فردية، وليست مبالغة عاطفية. هذه حقيقة تعرفها بنات كثيرات، حتى لو لم يتكلمن عنها بصوت عال. فكم من بنت سمعت كلمات قاسية بدعوى التربية، ورقابة زائدة بدعوى الخوف، ومقارنات موجعة بدعوى المصلحة، بينما كان الأخ يحظى بمرونة أكبر، وخطأه يغتفر أسرع، واحتياجه يفهم قبل أن يشرحه.
لكن المسألة، في نظري، ليست فقط أن أما تظلم ابنتها وتدلل ابنها. المسألة أعمق من ذلك بكثير. أحيانا تكون الأم نفسها قد تربت على الخوف، وعلى فكرة أن البنت مشروع قلق دائم، وأن حمايتها لا تكون إلا بالشدة، وأن صلاحها لا يثبت إلا بالضغط عليها، وأن مستقبلها قد يضيع من خطأ صغير، بينما الولد يظل في نظر المجتمع قابلا للغفران، وقابلا للنجاة، وممنوحا فرصا أكثر ليخطئ ثم يبدأ من جديد.
هنا تبدأ المأساة الحقيقية. أن تمارس الأم القسوة لا لأنها لا تحب ابنتها، بل لأنها تخاف عليها بطريقة مؤذية. تحبها، نعم، لكنها تحبها بخوف قديم، بخوف لم تشفه، بخوف ورثته ولم تنتبه أنها تسلمه الآن إلى ابنتها على هيئة أوامر، وانتقادات، وتضييق، وكلمات تترك في النفس ندوبا طويلة.
والمؤلم أكثر أن هذه البنت لا تكبر وهي تتذكر فقط ما قيل لها، بل كيف شعرت. شعرت أنها أقل أمانا، أقل قبولا، أقل حرية من أخيها. شعرت أن عليها دائما أن تثبت أنها جيدة، محترمة، عاقلة، مسؤولة، حتى تستحق قدرا عاديا من الرضا. وهذا شعور قاس جدا على أي طفلة أو مراهقة أو امرأة شابة.
المجتمع هنا شريك في المشكلة. لأنه ما زال، في صور كثيرة، يربي الأم على أن تشدد على البنت وتلين مع الولد. ما زال يغرس فيها أن سمعة البنت أثقل، وخطأها أكبر، وحركتها محسوبة، وصوتها محسوب، واختياراتها تحت المراقبة. ثم يندهش بعد ذلك حين يرى بنتا مكسورة من الداخل، أو أما لا تعرف كيف تحب ابنتها براحة وعدل.
أنا لا أكتب هذا لأحاكم الأمهات، بل لأقول إن الوقت قد حان كي نتوقف. أن نسأل أنفسنا بشجاعة: هل ما نفعله تربية فعلا، أم إعادة إنتاج لخوف قديم؟ هل نحن نربي البنات على القوة، أم على القلق؟ هل نحب أبناءنا بعدل، أم نعيد توزيع الظلم داخل البيت باسم العادات والخبرة والخوف عليهم؟
البنت لا تحتاج أما تخيفها طوال الوقت، بل أما تراها، وتفهمها، وتحترم إنسانيتها. تحتاج حضنا لا محكمة. تحتاج توجيها لا تحطيما. تحتاج عدلا لا تفضيلا صامتا يجرحها كل يوم.
أما الولد أيضا فلا يخدمه هذا التدليل غير المتوازن. لأننا حين نربيه على أن الدنيا أرحم به من أخته، فنحن لا نصنع رجلا ناضجا، بل نصنع إنسانا يعتاد الامتياز دون أن يشعر به، ويكبر وهو يظن أن من حقه ما لم يعط لغيره.
العدل داخل البيت ليس تفصيلا تربويا صغيرا. العدل هو أول درس في الكرامة، وأول درس في الثقة، وأول درس في الصحة النفسية. والبيت الذي تشعر فيه البنت أنها أقل من أخيها، ولو في نظرات خفية أو أسلوب مختلف أو قسوة مكررة، هو بيت يزرع جرحا قد يظل مفتوحا سنوات طويلة.
نحن لا نحتاج إلى أمهات مثاليات. نحن نحتاج إلى أمهات يراجعن أنفسهن بشجاعة، ويكسرن السلسلة بدل أن يورثنها. نحتاج إلى وعي جديد يقول إن حماية البنت لا تكون بإضعافها، وإن تربية الولد لا تكون بإعفائه من المحاسبة، وإن الحب العادل ليس رفاهية، بل ضرورة.
أحيانا لا تكون الأم قاسية وحدها، بل يكون الخوف الذي تربت عليه هو الذي يتكلم بداخلها. لكن الوعي يستطيع أن يوقف هذا الصوت، حتى لا تدفع الابنة ثمن جرح لم تصنعه بيديها.
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly5242 المقالات
منشورات شائعة
-
13 عملاً في القائمة القصي...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
-
مونتريال تستضيف لقاءً تحض...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
-
الكبد والحمل.. لماذا تحذّ...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
-
أكتوبر الوردي: 89 امرأة ت...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!