الوضع المظلم
موروث خاطئ: الخير يخص والشر يعم

موروث خاطئ: الخير يخص والشر يعم

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

بقلم: آلاء سليمان

منذ كنت صغيرة، كانت هناك عبارة تزعجني كلما سمعتها: "الخير يخص والشر يعم."
كانت تُقال كأنها حكمة جاهزة، وكأن المطلوب منا أن نصدقها دون أن نفكر فيها. لكنني في كل مرة كنت أشعر أن فيها شيئًا غير مريح، شيئًا لا يشبه العدل، ولا يساعد على الإصلاح بقدر ما يزرع الإحباط.

 

هذه العبارة، في رأيي، ليست مجرد مثل دارج، بل فكرة تحمل ظلمًا واضحًا حين تُستخدم في التربية أو في التعامل مع الناس.
لأن معنى أن "الشر يعم" هو أن خطأ شخص واحد قد يمتد أثره إلى الجميع، وأن البريء يمكن أن يدفع ثمن ما لم يفعله. وهنا يضيع الفرق بين من أخطأ ومن لم يخطئ، وتضيع معه قيمة المسؤولية نفسها.

 

حين يخطئ شخص واحد ثم يُعاقب الجميع، فإن المخطئ لا يشعر فعلًا بثقل ما ارتكبه.
على العكس، يخف عنه العبء، لأنه لم يعد وحده من يتحمل النتيجة.
وحين يشاركه الجميع العقوبة، قد يصبح خطؤه أخف في نفسه، وقد لا يرى أنه خرج عن الصواب بشكل يستوجب أن يراجع نفسه بصدق.

 

أما حين تكون المحاسبة خاصة بالمخطئ وحده، فإن الرسالة تصل بوضوح.
يشعر وقتها أن ما فعله يخصه هو، وأنه مسؤول عنه، وأن عليه أن يصلح نفسه حتى يعود إلى مكانه الطبيعي بين الآخرين.
هنا فقط يكون للعقاب معنى، وللإصلاح فرصة، وللمسؤولية أثر تربوي حقيقي.

 

ولذلك أرى أن الأصلح للناس ليس أن نعمم الشر، بل أن نعمم الخير.
الخير هو الذي يجب أن ينتشر، لأنه يفتح باب الرحمة، ويمنح فرصة للتغيير، ويجعل الإنسان يرى أن بإمكانه أن يصبح أفضل.


حين يعم الخير، يشعر المقصّر أن الطريق إلى الإصلاح ما زال مفتوحًا، وأن المجتمع لا يدفعه إلى القسوة، بل يشجعه على أن ينهض من خطئه.

ليست كل عبارة شائعة صحيحة، وليست كل حكمة موروثة عادلة.


بعض الأقوال عاشت طويلًا فقط لأن الناس كررتها، لا لأنها كانت صائبة.
ومن حقنا أن نتأمل ما نردده، وأن نسأل: هل هذا القول يبني إنسانًا أفضل؟ أم يبرر ظلمًا اعتدنا عليه؟

أنا أؤمن أن الخير حين يعم، يداوي، ويهذب، ويصلح.
أما الشر حين يعم، فلا يصنع إلا مزيدًا من القسوة والخسارة.
ولهذا، ربما حان الوقت لنعيد النظر في هذا الموروث، ونستبدله بمعنى أكثر عدلًا، وأكثر إنسانية، وأكثر قدرة على إصلاح النفوس.