الوضع المظلم
حين نكتشف متأخرًا أن المشكلة لم تكن كسلًا.. الوجه الخفي لـ ADHD عند البالغين

حين نكتشف متأخرًا أن المشكلة لم تكن كسلًا.. الوجه الخفي لـ ADHD عند البالغين

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

بقلم: د. دينا أسعد

قد يصل إنسان إلى الأربعين أو الخمسين وهو مقتنع بأنه كسول، مشتت، غير منظم، أو غير قادر على الالتزام. ينسى المواعيد، يؤجل المهام حتى اللحظة الأخيرة، يبدأ مشروعات بحماس ثم يتعثر في إكمالها، ويحتاج إلى جهد مضاعف لإنجاز ما يبدو بسيطًا للآخرين. ثم يكتشف، بعد سنوات طويلة، أن وراء هذه المعاناة اسمًا لم يعرفه من قبل: اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، ADHD.

 

التشخيص في مرحلة البلوغ لا يعني أن الاضطراب بدأ فجأة. المعايير الطبية تشترط وجود أعراض منذ الطفولة، لكن كثيرين لم يُشخّصوا في ذلك الوقت، إما لأن أعراضهم لم تكن بالصورة النمطية للطفل كثير الحركة، أو لأن الأسرة والمدرسة وفرتا بيئة ساعدتهم على التكيف، أو لأن صعوباتهم أصبحت أكثر وضوحًا عندما زادت مسؤوليات العمل والأسرة والحياة.

 

عند البالغين قد لا نرى شخصًا يركض في المكان، بل عقلًا لا يتوقف. صعوبة في ترتيب الأولويات، نسيان متكرر، فقدان الأشياء، تأجيل، سوء تقدير للوقت، اندفاع في بعض القرارات، أو عجز عن الاستمرار في مهمة طويلة لا تثير الاهتمام. والمفارقة أن الشخص نفسه قد يستطيع الانغماس لساعات في أمر يجذبه بشدة، بينما يعجز عن بدء مهمة ضرورية لا تحفزه بالقدر نفسه.

 

الأثر لا يقف عند المكتب. في العلاقات قد يُفهم النسيان على أنه عدم اهتمام، والتشتت على أنه تجاهل، وفي العمل قد يحاول الشخص تعويض صعوباته بالسهر والعمل المفرط حتى يصل إلى الإنهاك. والأسوأ أن سنوات النقد قد تجعله يحمل داخله صورة قاسية عن نفسه، فيصبح التشخيص أحيانًا أول تفسير منطقي لعقود من الشعور بأنه "لا يحاول بما يكفي".

 

وللجينات دور مهم في ADHD؛ فهو من الاضطرابات العصبية النمائية ذات المكوّن الوراثي القوي، وتقدّر دراسات التوائم قابلية التوريث بنحو 70 إلى 80 في المئة أو أكثر في بعض الدراسات. لكن ذلك لا يعني وجود "جين واحد" مسؤول عنه، فالاضطراب متعدد العوامل وتشترك فيه متغيرات جينية عديدة إلى جانب عوامل أخرى.

 

ومعرفة السبب ليست نهاية القصة، بل بدايتها. العلاج قد يجمع، وفق تقييم الطبيب، بين الأدوية والعلاج النفسي، وخصوصًا العلاج المعرفي السلوكي، إلى جانب وسائل عملية مثل تقسيم المهام، استخدام التذكيرات والقوائم، تقليل المشتتات، وبناء نظام يومي يناسب طريقة عمل الشخص بدلًا من محاربته طوال الوقت.

 

الأهم أن التشخيص لا يجب أن يتحول إلى بطاقة نختصر بها الإنسان. فهم التنوع العصبي يعني أن نتوقف عن تفسير كل صعوبة باعتبارها ضعفًا في الإرادة. أحيانًا يكون أكثر ما يحتاجه الشخص ليس مزيدًا من اللوم، بل تفسيرًا صحيحًا، وعلاجًا مناسبًا، وبيئة تفهم أن العقول لا تعمل جميعها بالطريقة نفسها.

 

وقد يكون اكتشاف ADHD في سن متأخرة مؤلمًا لأنه يفسر سنوات مضت، لكنه قد يكون أيضًا بداية أكثر رحمة: أن يفهم الإنسان نفسه أخيرًا، بدلًا من أن يقضي عمره في محاكمتها.